وللتدليل على صحة هذه الدعوى يستشهد الدكتور علوان ببعض من أبيات قالها كل من عبد الباقي العمري وصالح التميمي وعبد الغفار الأخرس وجعفر الحلي وحيدر الحلي [1] .
يستخلص منها أن الشاعر فقد الإحساس بكونه أنسانًا ذا قيمة في نفسه، لأنه مدح الولاة بما لا يليق به ان يهبط إليه من المهانة والإذلال، واضعًا ثقله على بيت قاله صالح التميمي بحق الوالي علي رضا وهو قوله:
من لي بتقبيل كفًّ صوبُ عارضها ... يُزري بواكفِ صوب العارضِ الهطلِ [2]
وعلى بيت قاله الأخرس بحق داود باشا، وهو قوله:
فألثمُ اقدام الوزير التي لها ... إلى غاية الغايات ممشىً وَمهْيعُ [3]
أن مسألة امتهان كرامة الشاعر في القرن التاسع عشر التي يقررها الدكتور علوان معترضًا على هذا اللثم، فاتهُ أنها مسألة واردة في الشعر العربي القديم. نورد منها على سبيل المثال قول أبن الرومي:
وهو يدعو إلى تقبيل أنامل (إبراهيم بن المدبر) [4] في قوله:
قبل أنامله فلسن أناملًا ... لكنهن مفاتيح الارزاق [5] .
ومع أن اللثم والتقبيل عادة معروفة وشائعة في ذلك العصر، وهي تدل على مبلغ الاحترام والتقدير للشخصيات الدينية والاجتماعية والسياسية البارزة في المجتمع، فهي تعد ايضًا من الآداب التي تعارف عليها الناس ولم يروا فيها أي بأس، ولشدة الفهم لها انحدرت إلى الشعر بهذه الطريقة، من غير أن يحس الشاعر أنه يهين نفسه أو يذلها، إذ هو يشعر انه يردُ جميلًا أُسدي له أو يؤدي واجبًا اجتماعيًا وأخلاقيًا، وهذا الأمر لا يتعارض مع كرامته، وليس فيه أي مساس بهذه الشخصية. ويرى الدكتور سوادي فرج مكلف ان العلامة محمود شكري الآلوسي قد نقل نصوصًا عن الفقهاء
(1) ينظر: المصدر نفسه: ص 24 - 26.
(2) تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 26 وينظر ديوان التميمي صالح، تح: محمد رضا السيد سلمان وعلي الخاقاني، مط الزهراء-النجف/1948 م: 101.
(3) تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 26 وينظر الطراز الأنفس:251.
(4) (إبراهيم بن منبر) هو إبراهيم بن محمد بن عبيد الله ابن المنبر ابي اسحاق: وزير من الكتاب المسترسلين الشعرلء. من اهل بغداد، توفي فيها سنة 269 هـ. ينظر الاعلام 1/ 60.
(5) المديح من الفنون في الأدب العربي: 59/لجنة من المؤلفين.