الصفحة 18 من 24

-وأقبل الفتى إلى القاهرة ليتهيّأ للسفر البعيد ...

-وأبرقا إلى الجامعة ... ليتعجّلا هذا الإذن ... لصحّ التقدير ... واستقام المعنى [1] .

بل إننا لو عكسنا الأمر فجرّدنا الفعل المضارع من هذه اللام في أي سياق يرد الفعل فيه مقرونًا بها لوجدنا أنّ دلالة التعليل تبقى، أحيانًا، مفهومة واضحة، إلا أنّ اختلاف الشكل البنيوي لعناصره يوجّه القول فيه توجيهًا آخر. فلو تأملنا، مثلًا، العبارة الآتية:

-وربما اشتملت بعض هذه الرسائل على زهرة قد جففت وأرسلت إليه ليحملها كما تحمل التمائم لتذكّره إن عرض له النسيان. (الأيام،3/ 90) .

لوجدنا أنّ إسقاط اللام الدالّة على التعليل في قوله:"ليحملها"و"لتذكّره"لا يجرّد التركيب من دلالة التعليل تمامًا، فلو قلنا:

-وربّما اشتملت بعض هذه الرسائل على زهرة قد جففت وأرسلت إليه، يحملها كما تحمل التمائم، وتذكّره إن عرض له النسيان.

لبقي هذا المعنى مفهومًا مرادًا، فإن كان وجود اللام يدفع أي احتمال دلاليّ آخر، ويجرد التركيب لدلالة التعليل وحدها، فإنّ غياب هذه اللام لا يعني، بأي حال، غياب دلالة التعليل تمامًا.

وعليه، فإنّ التداخل الدلالي بين الوظيفتين، في مثل هذه التراكيب، واضح جدًّا، ولكنّه مع ذلك، غائب في مصنّفات النّحاة؛ ذلك أنّ ضوابط الوصف والتقعيد عندهم تتعدّد ولا تقتصر على البعد الدلالي وحده، وهذا ما سنوضّحه في خاتمة البحث.

ثانيًا- التداخل الدلالي بين الحال والمفعول فيه أو بين الحال والمفعول معه:

إذا كان النّحاة لم يشيروا إلى التداخل الدلالي بين الحال والمفعول لأجله فإنّهم استشعروا تداخلًا آخر وأشاروا إليه وعرضوا للإشكال فيه؛ فقد نصّوا على الشبه بين الحال والمفعول فيه"وخصوصًا ظرف الزمان؛ لأنّ الحال لا تبقى بل تنتقل إلى حال أخرى، كما أنّ الزمان منقضٍ لا يبقى ويخلفه غيره" [2] .

(1) 31. ... يلاحظ هنا أنّ تقدير اللام ينتفي تمامًا مع المشتق: كقول المتنبين مثلًا، أسارقك اللحظ مستحييًا، كما ينتفي مع بعض الأفعال المضارعة، كما في قوله: بعينٍ كعين مفيض القداح إذا ما أراغ يريد الحويلا، ومع ذلك فإنّ انتفاء هذا التقدير لا ينفي تضمّن تلك المفردات معنى العلة والسبب. ولعلّ هذا يتّضح في قول عمر بن أبي ربيعة (الديوان 31) :

ما أنس لا أنسى غداة لقيتها ... بمنى تريد تحيّتي وعتابي

وتلدّدي شهرًا أريد لقاءها ... حذر العدوّ بساحة الأحباب

فقد جاءت جملة الحال (أريد) في سياق التعليل مقترنة بتعليل آخر جاء على ... الأصل (حذر) لكنّ كلّ واحد منهما يعلل أمرًا؛ فالجملة تعلل استمراره في التلدد مدّة شهر، والمصدر يعلل التلدد في حدّ ذاته.

(2) 32. ... ابن يعيش، شرح المفصّل، 2/ 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت