الصفحة 19 من 24

وقد أشار سيبويه، منذ البَدْء، إلى هذا التداخل وهو يفسّر قوله تعالى: (يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمّتهم أنفسهم) فقال فيه: (فإنما وجّهوه على أنّه يغشى طائفة منكم وطائفة في هذه الحال، كأنّه قال: إذ طائفة في هذه الحال، فإنما جعله وقتًا ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنما هي واو الابتداء" [1] ، ويبدو من تفسير سيبويه أنّه استشعر الدلالة الزمنيّة التي تتحملّها أمثال هذه الجمل فصرّح بها، ولكنّ متأخري النّحاة فسّروا قوله تفسيرًا يجرّد الجملة ممّا استشعره وأشار إليه، ويقصرها على دلالة الحال التي تعارفوا عليها [2] ."

ولشدّة الارتباط بين واو الحال والدلالة على الزمان أوردها ابن منظور في اللسان مقسّمًا إيّاها قسمين على الرغم من عدم وجود فارق دلالي بينهما؛ إذ يقول:"ومنها واوات الحال، كقولك: أتيته والشمس طالعة، أي في حال طلوعها، قال الله تعالى (إذ نادى وهو مكظوم) ، ومنها واو الوقت كقولك: اعمل وأنت صحيح، أي في وقت صحتك والآن وأنت فارغ، فهذه واو الوقت وهي قريبة من واو الحال ..." [3] .

كما نصّ عليها ابن السرّاج، وهو يتحدّث عن مواضع كسر همزة (إنّ) ، فقال:"وإذا ذكرت:"إن"بعد واو الوقت كسرت، لإنه موضع ابتداء، نحو قولك: رأيته شابًا وإنه يومئذ يفخر" [4] .

ولعل ابن هشام يكون أوّل من وضع هذا التداخل الدلالي بين هاتين الوظيفتين موضع الإشكال الذي يسأل عنه؛ فقد قال في المغني:"ومما يشكل قولهم في نحو"جاء زيد والشمس طالعة"إنّ الجملة الاسميّة حال، مع أنّها لا تنحل إلى مفرد، ولا تبيّن هيئة فاعل ولا مفعول، ولا هي حال مؤكدة، فقال ابن جني: تأويلها جاء زيد طالعة الشمس عند مجيئه، يعني: فهي كالحال والنعت وقال ابن عمرون: هي مؤولة بقولك مبكّرًا ونحوه، وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري: إنما الجملة مفعول معه، وأثبت مجيء المفعول معه جملة، وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى (والبحرُ يمدّه من بعده سبعة أبحر) في قراءة من رفع البحر، هو كقوله: وقد أغتدي والطير في وكناتها .. و"جئت والجيش مصطف"ونحوهما من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، فلذلك عريت من ضمير ذي الحال" [5] .

(1) 33. ... سيبويه 1/ 47، وفي المقتضب:"فأما إذا قلت: مررت بزيد عمرو في الدار- فهو محال إلا على قطع خبر واستئناف آخر، فإن جعلته كلامًا واحدًا قلت: مررت بزيد وعمرو في الدار. وهذه الواو التي يسميها النحويون واو الابتداء، ومعناها (إذْ) . ومثل ذلك قوله (يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهَّمتهم أنفسهم) ، والمعنى -والله أعلم- إذ طائفة في هذا الحال، وكذلك قول المفسرين المبرد، المقتضب، تحقيق محمدّ عبد الخالق عضمية، عالم الكتب 4/ 125."

(2) 34. ... يقول الأشموني في ذلك:"وقدّرها سيبويه والأقدمون بإذ، ولا يريدون أنّها بمعناها؛ إذ لا يرادف الحرف الاسم، بل أنّها وما بعدها قيد للعامل السابق". وسنعود للحديث عن قولهم في الحال إنّها قيد لعاملها فيما بعد.

(3) 35. ... لسان العرب، حرف الواو، والملاحظ أنّ ابن منظور لم يفرّق بين الجملة المشتملة على ضمير ذي الحال والجملة الخالية منه. وانظر: فاضل السامرائي، معاني النحو، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد، 2/ 728 وما بعدها.

(4) 36. ... الأصول في النحو 1/ 265.

(5) 37. ... ابن هشام، مغني اللبيب 2/ 606 - 607.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت