الصفحة 16 من 24

الشرط الصرفي حاجزًا وهميًّا يغيّب بعض الأبعاد الدلاليّة التي ينتجها التركيب أحيانًا ويوجّه إليها سياق الكلام [1] .

وإذا تأملنا نصوص النّحاة وجدنا أنّهم كانوا، في الغالب، يربطون بين الملحظ الدلالي والشرط الصرفي للوظيفة النحويّة [2] ؛ فالمفعول لأجله لا يكون إلا مصدرًا"لأنّه علّة وسبب لوقوع الفعل وداعٍ له، والداعي إنما يكون حدثًا لا عينًا" [3] .

فهم في تفسيرهم يضعون المصدر في مقابل اسم العين الذي ينتفي وقوعه علّة انتفاء واضحًا، ولكنّهم لا يضعون المصدر في مقابل المشتق أو الفعل، على الرغم من أنهم يصرّحون بأنّ"الفعل إمّا أن يجتذب به فعل آخر؛ كقولك: احتملتك لاستدامة مودتك وزرتك لابتغاء معروفك، فاستدامة المودة معنى يجذب بالاحتمال وابتغاء الرزق معنى يجذب بالزيارة، وإما أن يدفع بالفعل الأول معنى حاصل؛ كقولك: فعلت هذا حذر شّرك، فالحذر معنى حاصل يتوصل بما قبله من الفعل إلى دفعه، والمصادر معان تحدث وتنقضي فلذلك كانت علة بخلاف العين الثابتة" [4] .

وواضح أنّ المقياس الذي وضعوه لمجيء المفعول لأجله مصدرًا يصدق على الفعل المضارع؛ فملحظ العلّة غير منتف فيه، حتى إننا لو قلنا: احتملتك أستديم مودّتك، وزرتك أبتغي معروفك، لبقي معنى العلّة مفهومًا [5] ؛ لأنّ الأفعال، أيضًا، معانٍ تحدث وتنقضي كالمصادر تمامًا [6] .

ونحن إذا قلّبنا المسألة ونظرنا فيها من بعد آخر وجدنا أنّ التعبير عن العلّة بالفعل لا يمتنع؛ فقد علّل النْحاة جواز مجيء الحال جملة بقولهم"لأنّ مضمون الحال قيد عاملها، ويصحّ أنْ يكون القيد مضمون الجملة كما يكون مضمون المفرد" [7] . وبالقياس يمكننا القول إنّ مضمون المفعول لأجله علّة عاملة، ويصحّ أن تكون العلّة مضمون الجملة كما تكون مضمون المصدر، خاصّة إذا علمنا أنّ الفعل يتضمّن، دلاليًا، معنى الحدث.

وإذا كان المفتاح المبدئي الذي وضعه النّحاة للتمييز بين الحال والمفعول لأجله هو أنّ الأولى تقع في جواب: كيف فعلت؟ والثاني يقع في جواب: ... لم فعلت؟ فإنّ هذا الضابط قد يشير أحيانًا إلى أنّ بعض الأبنية يصح فيها أن تقع

(1) 23. ... ومثال آخر على ذلك ما جاء في قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته) إذ يحتمل القول في"بشرًا"فيجوز فيه أن يكون مفعولًا لأجله ويجوز فيه أن يكون حالًا على تأويله بالمشتق. أما قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) فمبشرات لا تعرب إلا حالًا؛ لأنّها وصف مشتق، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل مجيء الكلمة على هذه الصورة يجردّها من ملحظ العلّة تمامًا؟ والسؤال نفسه يتكرر مع قوله تعالى (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) .

(2) 24. ... انظر في شيء من هذا: لطيفة النّجار، دور البنية الصرفيّة في وصف الظاهرة النحويّة وتقعيدها. ط 1. دار البشير، عمّان- الأردن، 1993، 172 وما بعدها.

(3) 25. ... ابن يعيش، شرح المفصّل، 2/ 52. وورد في تعريفه عند الرضي قوله:"ما فعل لأجله مضمون عامله"1/ 191، وواضح أنّ هذا التعريف قد يصدق على الفعل كما يصدق على المصدر، فلولا اشتراط النّحاة المصدريّة في هذه الوظيفة لصلح التعريف السابق للتعبير عنها دونما قيود بنيويّة تقيد المعنى بأشكال مخصوصة.

(4) 26. ... السابق 2/ 52.

(5) 27. ... لا شكّ أنّ دلالة المصدر على العلّة أقوى وأوضح من دلالة الفعل، ويبدو كذلك، أنّ دلالة الفعل على العلّة أقوى من دلالة المشتق، ولكنّ هذا لا ينفي وجود هذا المعنى في الأشكال الثلاثة، ثم يبدأ التفاوت بينها بعدُ.

(6) 28. ... لا يعني ذلك التطابق التام بين الفعل والمصدر، فمعلوم أنّ المصدر خالٍ من معنى الزمان الذي يتضمّنه الفعل، ولكن ذلك لا ينفي أنّ الاثنين يجمعهما معنى الحدوث والانقضاء.

(7) 29. ... الرضيّ، شرح الكافية في النحو، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، ... 1985، 1/ 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت