أثْمَرَتْ المُقَارَبَةُ القَامُوْسِيَّةُ بَيْنَ كَلِمَتَيِّ"السِّيَاقِ"وَ"النَّسَقِ"فِيْ تَنْظِيْمِ الدِّلَالَاتِ الوَارِدَةِ؛ حَيْثُ أصْبَحَ لِكُلِّ دِلَالَةِ اِرْتِبَاطٌ مُعَيَّنٌ بِنَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الحَيَاةِ، عِوَضَ الفَوْضَى السَّائِدَةِ سَابِقًَا، عَلَى مُسْتَوَى الدِّلَالَةِ القَامُوْسِيَّةِ.
اِنْطِلَاقًَا مِنْ المُعْجَمِ جَاءَتْ مُقَارَبَتُنَا لِلُّغَةِ، فَتَمَّ اِتِّخَاذُ"السِّيَاقِ"هَادِيًَا وَمُرْشِدًَا، وَاِتِّخَاذُ"النَّسَقِ"مُنَظِّمًَا وَمُرَتِّبًَا، وَجَاءَ الحَدِيْثُ حَوْلَ اللُّغَةِ مُسْتَعِيْنًَا بِالألْسُنِيَّةِ وَدُرُوْسِهَا، فَنُقْطَةُ الانْطِلَاقِ دَارَتْ حَاوْلَ رَمْزِيَّةِ اللُّغَةِ، وَاِعْتِبَارِهَا كِيْانًَا قَائِمًَا، اِحْتَوَى التُّرَاثَ، وَعَمِلَ عَلَى تَنْظِيْمِهِ وَتَرْتِيْبِهِ؛ مِمَّا أفْرَزَ أنْسَاقًَا فِيْ دَاخِلِهِ.
لَيْسَتْ اللُّغَةُ رَمْزِيًَّا إلاَّ اِمْتِدَادٌ لِمُصْطَلَحِ"السِّيَاقِ"، فَالمُشَابَهَةُ بَيْنَهُمَا؛ مُشَابَهَةٌ فِيْ التَّكْوِيْنِ وَالإفْرَازَاتِ، فَالسِّيَاقُ اِحْتَوَى أنْسَاقًَا فِيْ دَاخِلِهِ، وَكَذَلِكَ اللُّغَةُ اِحْتَوَتْ أنْسَاقًَا فِيْ دَاخِلِهَا، رُغْمَ أنَّ هَذِهِ الأنْسَاقَ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا، إلاَّ أنَّهَا تَبْقَى وَاقِعًَا وَحَقِيْقَةً مَاثِلَةً لِلدَّارِسِ الألْسُنِيِّ.
تَعَدُّدُ الأنْسَاقِ اللُّغَوِيَّةِ، دَفَعَ البَحْثَ إلَى مُقَارَبَةِ اللُّغَةِ بِشَكْلِهَا المُتَشَظِّيِ، بُغْيَةَ إلْقَاءِ الضَّوْءِ عَلَى أبْرَزِ الأنْسَاقِ الفَاعِلَةِ؛ حَيْثُ بَرَزَ النَّسَقُ الدِّيْنِيُّ كَأهَمِّ نَسَقٍ تَوَفَّرَتْ اللُّغَةُ عَلَيْهِ، مِنْ حَيْثُ مُمَارَسَتِهِ دَوْرًَا فَاعِلًَا فِيْ بَقِيَّةِ الأنْسَاقِ.
النَّسَقُ الدِّيْنِيُّ أخَذَ البَحْثَ نَحْوَ دَائِرَةِ اللُّغَةِ، فَتَمَّ التَّوَجُّهُ إلَى الطَّبِيْعَةِ الثَّقَافِيَّةِ الفَاعِلَةِ لِلُّغَةِ؛ حَيْثُ الانْتِقَالُ مِنْ الوِحْدَةِ الكُلِّيَّةِ لِلكِيَانِ، إلَى تَصْوِيْرِهِ ثَقَافَةً وَفِكْرًَا وَمُمَارَسَةً، بَلْ كِيَانًَا اِسْتِحْوَاذِيًَّا؛ يُمْلِيْ عَلَى الفَرْدِ تَعَالِيْمَهُ وَيُنَظِّمُ لِلمُجْتَمَعِ رُؤْيَتَهُ.
الكِيَانُ الثَّقَافِيُّ يُعَدُّ الشَّكْلَ الأرْقَى لِلُّغَةِ، فَجَمِيْعُ الأنْسَاقِ مُتَوَاجِدَةٌ، بِمَا فِيْ ذَلِكَ الأنْسَاقُ المُضَادَّةُ لِمَا هُوَ سَائِدٌ، أوْ تِلْكَ الأنْسَاقُ النَّاشِئَةُ عَنْ أنْسَاقٍ مَوْجُوْدَةٍ، فَفِيْ دَاخِلِ الكِيَانِ الثَّقَافِيِّ تَتَفَاعَلُ الأنْسَاقُ وَتَتَحَاوَرُ، وَتَعْمَلُ عَلَى إنْتَاجِ خِطَابَاتِهَا المُسْتَقِلَّةِ، سَوَاءٌ تَوَافَقَتْ الخِطَابَاتُ مَعَ الخِطَابِ السَّائِدِ أوْ تَعَارَضَتْ.
يَسُوْدُ اللُّغَةَ خِطَابًَا سُلْطَوِيًَّا مُلْزِمًَا لِلْفَرْدِ وَلِلآخَرِ، تُمَارَسُ فِيْهِ رَقَابَةٌ عَلَى كُلِّ السُّلُوْكِيَّاتِ الصَّادِرَةِ، كَمَا يَعْمَلُ عَلَى الحَثِّ الدَّائِمِ؛ إمَّا تَمَسُّكًَا أوْ رَفْضًَا، إذْ يُمَارِسُ سُلْطَتَهُ فِيْ الحَثِّ عَلَى المَرْغُوْبِ، أوْ رَفْضِ غَيْرِ المَرْغُوْبِ.