يهدفُ هذا الفَصلُ إلى تِبيان مَعنى كَلمَتَي السياق والنسق معجميًا، دون التطرق إلى المباحث الحديثة، أو ما استجد من تغيرات دلالية على معنى الكلمتين.
بدايةً نشير إلى أن مبحث السياق، مبحثٌ قديمٌ؛ منذُ صدرِ الإسلام، وقد تَشَكَّل معناه بحسب اِستخدامه، فهناك المبحث اللغوي (1) ، والمبحث البلاغي، والمبحث التفسيري، والمبحث الأصولي.
فالمبحث اللغوي أتى ليحدد معنى الكلمة الواحدة باعتبار السياق (2) الذي ترد فيه، أو ما يمكن تسميته سياق النص (3) ، ولو وجد في النص محذوف ما، فيتم تقديره؛ لإتمام المعنى، والوصول إلى الدلالة (4) ، وهنا يبرز النوع الثاني من السياق؛ سياق الموقف، أو السياق الاجتماعي (5) ، أو الحال (6) ، أو القرينة الدالة (7) .
ثم، إن كلمة السياق التبست بكلمة أخرى هي كلمة (السباق) ، وباتت الكلمتان مترادفتين على نحوٍ ما (8) .
أما المبحث البلاغي (9) ، فاهتم اهتمامًا بالغًا بالمقام (10) ، أو الحال (11) ، إذ جاء في تعريف البلاغيين للبلاغة"مطابقة الكلام لمقتضى الحال" (12) ؛ والحال هنا: كل ما يحيط بالمتكلم، أو ما يُشار إليه بسياق الموقف (13) .
ولهم كلمتهم المشهورة الواردة في بيتٍ للحطيئة (14) :
تَحَنَّنْ عليَّ هَدَاكَ المَلِيْكُ ... فإِنَّ لِكُل مَقَامٍ مَقَالًا
حيث ذهبت مثلًا في قولهم (لكل مقام مقال، ولكل دهر رجال) (15) .
عبارة لكل مقام مقال عند البلاغيين والأدباء والنقاد، تحدد مدى أهمية مراعاة السياق، أو المقام (16) في بيان دلالة العملية اللغوية (17) ؛ وصولا إلى المعنى.