الصفحة 4 من 76

بَعْدَ اِسْتِيْفَاءِ الحَدِيْثِ القَامُوْسِيِّ لِلسِّيَاقِ وَالنَّسَقِ، شَرَعْنَا فِيْ الدِّرَاسَةِ النَّظَرِيَّةِ لِلُّغَةِ عَلَى ضَوْءِ المَفَاهِيْمِ المُسْتَقَاةِ مِنْ القَامُوْسِ، فَجَاءَ البَابُ الثَّانِيُ مِنْ الكِتَاب؛ لِيُؤَكِّدَ سُلْطَةَ اللُّغَةِ، وَهَيْمَنَتَهَا عَلَى الذِّهْنِيَّةِ العَرَبِيِّةِ الإسْلَامِيَّةِ.

قُسِّمَ البَابُ الثَانِيُ إلَى ثَلَاثَةِ فُصُوْلٍ؛ حَيْثُ أشَارَ الفَصْلُ الأوْلُ إلَى اِمْتِلَاكِ اللُّغَةِ كِيَانَاتٍ لَا مَرْئِيَّةٍ، تَجَمَّعَتْ فِيْ رَحِمِ اللُّغَةِ، وَأنْتَجَتْ كِيَانًَا شُمُوْلِيًَّا، وَهَذَا مَا تَعَمَّقَ فِيْ الفَصْلِ الثَّانِيِ، وَتَأكَّدَ عَبْرَ السُّلْطَةِ القَوِيَّةِ الَّتِيْ اِكْتَسَبَتْهَا اللُّغَةُ؛ جَرَّاءَ كَوْنِهَا سِيَاقًَا شُمُوْلِيًَّا، اِحْتَوَى عِدَّةَ أنْسَاقٍ فِيْ دَاخِلِهَا.

أمَّا فِيْ الفَصْلِ الثَالِثِ، فَتَمَتْ مُنَاقَشَةُ تَحَوُّلِ اللُّغَةِ إلَى خِطَابٍ تَسَلُّطِيٍّ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ؛ لِأنَّهَا الحَامِلُ لِلثَقَافِةِ وَالفِكْرِ، فَبِصِفَتِهَا كِيَانًَا ثَقَافِيًَّا؛ اِمْتَلَكَتْ رَأيًَا وَتَوَجُّهًَا وَغَايَةً، فَخِطَابُهَا خِطَابٌ شُمُوْلِيٌّ؛ اِسْتَمَدَّ شَرْعِيَّتَهُ مِنْ النَّسَقِ السَّائِدِ، وَهُوَ النَّسَقُ الدِّيْنِيُّ.

قُوْةُ الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ اِنْتَقَلَتْ إلَى اللُّغَةِ؛ لِأنَّ اللُّغَةَ هِيَ الحَامِلُ لِلفِكْرِ وَالتَّعَالِيْمِ السَّمَاوِيَّةِ، فَسُلْطَةُ اللُّغَةِ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ سُلْطَةِ الدِّيْنِ، وَكَمَا أنَّ الدِّيْنَ يَعْمَلُ عَلَى الحَثِّ الدَّائِمِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَا هُوَ مَرْغُوْبٌ، وَتَرْكِ مَا هُوَ غَيْرُ مَرْغُوْبٍ، فَكَذَلِكَ اللُّغَةُ، أصْبَحَتْ تَقُوْمُ بِالأدْوَارِ الدِّيْنِيَّةِ عِوَضًَا عَنْ الدِّيْنِ؛ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ جَاءَتْ سُلْطَةُ اللُّغَةِ، وَقُوَّتُهَا القَاهِرَةُ.

محمد الحميدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت