الصفحة 3 من 76

مَا يُنَاقِشُهُ الكِتَابُ وَيُحَاوِرُهُ؛ هُوَ سُلْطَةُ الثَّقَافَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالأُمَّةِ، فَالأفْعَالُ وَالأقْوَالُ تَخْضَعُ لِسُلْطَةٍ أعْلَى مِنْ سُلْطَةِ الفَرْدِ نَفْسِهِ، وَإنْ كَانَ هُوَ المُتَكّلِّمُ أوْ الفَاعِلُ، فَالسِّيَاقُ؛ أوْ مَا اُصْطُلِحَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِالمَقَامِ، عِنْدَ البَلَاغِيِّيْنَ، يَعْمَلُ عَلَى تَنْظِيْمِ السُّلُوْكِ وَالقَوْلِ فِيْ الظَّاهِرَةِ اللُّغَوِيَّةِ، بَلْ رُبَّمَا تَجَاوَزَهَا إلَى فِكْرِ الإنْسَانِ وَثَقَافَتِهِ؛ وَعَلَاقَاتِهِ بِالكَوْنِ وَالحَيَاةِ وَالمُحِيْطِ البِيْئِيِّ الَّذِيْ يَتَفَاعَلُ مَعَهُ، وَيَعِيْشُ فِيْ دَاخِلِهِ.

العَلَاقَةُ مُتَشَابِكَةٌ مُتَرَامِيَةُ الأطْرَافِ، لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ مُعَيَّنٍ، أوْ جُزْئِيَّةٍ دُوْنَ أُخْرَى، فَكَأنَّ الإنْسَانَ قَدْ رُسِمَ طَرِيْقُ حَيَاتِهِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ، وَمَا عَلَيْهِ إلاَّ أنْ يَأتِيَ، وَيُنَفِّذَ مَا خُطِّطَ لَهُ.

قَدْ تَبْدُو الصُّوْرَةُ قَاتِمَةً بَعْضَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّهَا الحَقِيْقَةُ الثَّقَافِيَّةُ المَاثِلَةُ أمَامَ أعْيُنِنَا، وَلَوْ أرَدْنَا تَقْرِيْبَ الصُّوْرَةِ بِمِثَالٍ وَاقِعِيٍّ؛ لَقُلْنَا إنَّ اِبنَ النَّجَارِ، وُلِدَ لِيَكُوْنَ نَجَّارًَا، وَاِبنَ المُزَارِعِ، وُلِدَ لِيَكُوْنَ مُزَارِعًَا، وَهَكَذَا فِيْ بَقِيَّةِ الأمْثِلَةِ الَّتِيْ تَصْدُقُ عَلَى مِثَالِنَا.

إنَّ الصُّوْرَةَ المَرْسُوْمَةَ فِيْ غَايَةِ القَتَامَةِ، لَكِنَّهَا أيْضًَا تُقَابِلُ صُوْرَةً أكْثَرَ إشْرَاقًَا، فَاِبنُ النَّجَارِ أوْ المُزَارِعِ، لَا يَلْزَمُ أنْ يَكُوْنَ نَجَّارًَا أوْ مُزَارِعًَا مِثْلَ أبِيْهِ، بَلْ يَمْتَلِكُ قَدَرَهُ الخَاصَّ، مُعْتَمِدًَا عَلَى ذَكَائِهِ وَحِسِّهِ التَّأوِيْلِيِّ لِلظَّوَاهِرِ الثَّقَافِيَّةِ الرَّاهِنَةِ.

صُوْرَتَانِ رَسَمَهُمَا الكِتَابُ وَحَاوَرَهُمَا مِنْ خِلَالِ الذِّهْنِيَّةِ العَرَبِيَّةِ، وَالتَّغَيُّرَاتِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِيْ طَرَأتْ عَلَيْهَا، مُنْذُ العَصْرِ الجَاهِلِيِّ، وَغَلَبَةِ القَبِيْلَةِ وَقِيَمِهَا، وُصُوْلًَا إلَى الإسْلَامِ، وَتَغَيُّرِ الكَثِيْرِ مِنْ القِيَمِ، فِيْ ظِلِّ التَّجَمُّعِ الأُمَمِيِّ المُخْتَلِفِ، فَالاِنْتِقَالُ مِنْ طَوْرِ الجَاهِلِيَّةِ إلَى طَوْرِ الإسْلَامِ، أوْجَدَتْ حَاجَةً مُلِحَّةً لِقِرَاءَةِ التُّرَاثِ، وَاِسْتِبْدَالِ الكَثِيْرِ مِنْ القِيَمِ المُنَافِيَةِ لِرُوْحِ الإسْلَامِ وَتَعَالِيْمِهِ.

النِّقَاشُ الدَّائِرُ بَيْنَ دَفَّتَيِّ الكِتَابِ، اِرْتَكَزَ عَلَى المُقَارَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَتَحْدِيْدًَا فِيْ الشِّقِّ السِّيَاقِيِّ مِنْهَا، وَلِذَا أفْرَدْنَا البَابَ الأوْلَ بِالحَدِيْثِ عَنْ السِّيَاقِ، فِيْ شَكْلِهِ القَامُوْسِيِّ، وَأضَفْنَا لَهُ مُفْرَدَةً مُتَّصِلَةً بِهِ، وَتَعْمَلُ عَلَى تَنْظِيْمِ وَتَوْجِيْهِ دِلَالَتِهِ فِيْ الاِسْتِعْمَالِ، تِلْكَ المُفْرَدَةُ المُسَاعِدَةُ هِيَ مُفْرَدَةُ النَّسَقِ، فَمِنْ السِّيَاقِ وَالنَّسَقِ وَالحَدِيْثِ القَامُوْسِيِّ عَنْهُمَا تَكَوَّنَ البَابُ الأوْلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت