الصفحة 5 من 9

: أن وزن (فعالل) لا ينصرف إلّا في ضرورة شاعر وليس في القران ضرورة، وكان أبو عمرو يتبع السواد في الوقف، فيقف بالألف، ويحذف عند الإدراج (104) ، وهنا يتضح أن من منع صرفها التزم قياس العرب وقد أثبت الدكتور أحمد الجنابي أنَّ(صرف الممنوع من الصرف لا يختص بالشعر ولا يتصل بقبيلة واحدة فهو ظاهرة من الظواهر النحوية التي أقر بها فريق وجعلها

فريق من باب الضرورات، وليس بصحيح .. فصرف الممنوع من الصرف ظاهرة موازية لظاهرة المنع،

وتسير الظاهرتان جنبًا الى جنب) (105) . يؤيد هذا الكلام ما ذكره السهيلي أن كثيرًا من العرب يصرفون(

صيغة منتهى الجموع)، وأنه قد جاء في القران مصروفًا وغير مصروف (106) يؤكد ذلك ما صرّح به الفراء: (فإن شئت أجريتهما جميعا و إن شئت لم تجرهما) (107) ، فكل صواب، وقد نقل عن الكسائي أن العرب يصرفون جميع ما لا ينصرف إلّا أفعل التفضيل، ونقل عن الأخفش أنهم يصرفون مطلقًا (وهم بنو أسد لأن الأصل في الاسماء الصرف والوقف في هذه القراءة بالألف بدل التنوين وعن الحسن والشنبوذي كذلك) (108) ، وقد ذكر الدمياطي أنَّ تنوين (سلاسل) للتناسب لأنَّ ما قبله منون منصوب (109) .

ومثله قوله تعالى: (كانت قواريرا قواريرا) (110) ، قال ابن خالويه) يقرأن معًا بالتنوين وبالألف في الوقف، وبطرح التنوين فيهما ... فالحجة لمن قرأهما بالتنوين: أنَّ نوّن الأولى لأنها رأس آية وكتابتها في السواد بألف وأتبعها الثانية لفظًا لقربها منها وكراهية المخالفة بينهما، وهما سيّان ... فصرف الثاني لقربه من الأول. والحجة لمن ترك التنوين: أنه أتى بمحضر قياس العربية لأنَّهُ على وزن فواعيل. وهذا الوزن نهاية الجمع المخالف لبناء الواحد، فهذا ثِقلٌ، وهو مع ذلك جمع والجمع فيه ثقلُ ثانٍ، فلما اجتمع فيه ثقلان منعاه من الصرف) (111) ، فتنوين الأولى لأنها رأس آية وهي لغة ونوّن الثانية إتباعا للأولى لأجل التناسب.

قال الدمياطي في (قواريرا قواريرا) : (ووقفوا عليهما بالألف للتناسب) (112) فالايقاع للتناسب واضح، وليس لنا أن نتعبد قياس العربية لأن ما سمع عن العرب يخالف هذا القياس، وقد صحت هذه القراءة من كلام العرب. (113)

ثالثًا: جواب الشرط:

يرى الكوفيون أنَّ جواب الشرط جزم لمجاورته المجزوم (114) ، ولم يأخذ بهذا الرأي الدكتور علي أبو المكارم، ورده بقول الرضي الذي يرى(أن العمل

بالجوار للضرورة) (115) فلا يتوسع فيه ولا يحمل عليه (116) ، ولسنا معه فيما ذهب إليه، لأن العمل بالجوار له اسباب كثيرة كالتناسب والتعادل والانسجام، يستدعيه السياق، وهذا واقع في القران الكريم الذي لا يأتيه الباطل، ولا يمكن أن يحمل شيء من القران على الضرورة، وقد اثبت الدكتور عمر يوسف أن ظهور الجزم في جواب الشرط قرينة على التعليق في السياق الشرطي، ومثل قرينة الجزم قرينة الفاء، وهي أسبق في الظهور في قرينة الجزم (ولعل في هذا الرأي ما يفسر دخول الفاء على المشروط * في قول الحق تعالى:(ومن عاد فينتقم الله منه) (117) ، وفي قراءة حمزة: (إن تضلَّ إحداهما فتذكر أحداهما الأخرى) (118) و اخال أن اللغة، جريًا على نهجها التطوري جعلت تميل الى التخصيص، فبدأت تخص المضارع الواقع في جملة المشروط بقرينة الجزم، مماثلة لأخيه الواقع في الشرط أو حملا على الجوار كما عبر الكوفيون) (119) .

وهذا يفسر لنا لماذا خصت العربية فعل جواب الشرط ان كان مضارعًا بالجزم، وفيما عدا ذلك ظلت العربية تضيف إليه الفاء عندما يفترق الشرط عن الجواب في الطبيعة التركيبية أو الصيغة البنائية (120) ، كقوله

تعالى: (إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل فصدقت) (121) ، وقوله جلَّ شأنه: (فمن يؤمن بربِّه فلا يخاف بخسًا ولا رهقا) (122) .

من خلال هذا العرض يتبيّن أنَّ الإتباع ظاهرة لغوية اقتضتها طبيعة اللغة العربية، واسباب وجودها كثيرة منها التناسب والتعادل وتحقيق الانسجام داخل التركيب.

و أنَّ ألفاظ الإتباع - في كثير منها - لها معانٍ لم تتجل أمام الناس حقاقها لانتسابها الى لهجات عربية مختلفة، و أنَّ حمل الشيء على ما يجاوره من الأمور التي حرص عليها العرب في لغتهم، فالعرب تختار مطابقة الألفاظ وتحرص عليه، لذا جعله الأعلم الشنتمري من الكلام كاللازم. والذي جوّز لهم ذلك هو أمن اللبس.

إنَّ باب الإتباع باب واسع في العربية ويشمل مسائل عديدة فيها، أشرنا الى جوانب منها، أتمنى أن أكون قد وفقت في ذلك، وما التوفيق إلّا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.

1 -ينظر: مختار الصحاح 74 و المصباح المنير 72.

2 -سورة الكهف آية 85.

3 -لسان العرب مادة (تبع) ، ج 2/ 13.

4 -سورة الشعراء آية 60.

5 -ينظر: إعراب القران للنحاس 2/ 305 و ينظر: الحجة في القراءات السبع لابن خالويه 136، فقد ذكر ان أتّبع بزنة أفعل، ومعنى اتّبعه سرت في اثره،، ومعنى اتَّبعته بألف القطع: لحقته

6 -ينظر: العين 1/ 179 و لسان العرب مادة (تبع) ، ج 2/ 14.

7 -لسان العرب، مادة (تبع) : ج 2/ 17.

8 -ينظر: الصاجي في فقه اللغة: 485.

9 -فقه اللغة: 282.

10 -الاتساع في اللغة والنحو: 54، رسالة ماجستير لسلوان علي.

11 -ينظر: المحتسب في وجوه القراءات: 1/ 37.

12 -المحتسب في وجوه القراءات: 1/ 37.

13 -المحتسب: 1/ 38.

14 -ينظر: المحتسب: 1/ 38، والأشباه والنظائر: 1/ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت