الصفحة 4 من 9

تعالى: (و إنّي أخاف عليكم عذاب يوم محيط) (75) ، فجر (محيط) لمجاورته يوم، وهو نعت لـ (عذاب) ، قال العكبري: (و(محيط) : نعت ليوم في اللفظ، وللعذاب في المعنى) (76) ، أمّا مَن قدّر عذاب يوم محيط عذابه فمردود قال: (وهو بعيد؛ لان محيطًا قد جرى على غير من هولَهُ، فيجب إبرازُ فاعله مضافًا إلى ضمير الموصوف) (77) ، وممّا عرضنا يتبيّن أن التعليل

بالإتباع يبقى الأقرب مأخذًا، ولا نحتاج معه الى تكلف التأويل والمعنى واضح لأمن اللبس.

2 -التوكيد:

من ذلك قول أبي الغريب النصريّ:

يا صْاح بلّغ ذوي الزَّوجاتِ كلِّهمْ

أن ليس وصلٌ إذا انحلت عُرى الذَّنبِ

فهنا جرّ (كلهِمْ) لمجاورته (الزوجات) ، وكان حقه النصب لأنَّه توكيد لـ (ذوي) ، ورأى ابن هشام أنَّه نادر في التوكيد. (78)

3 -عطف النسق:

من جر عطف النسق على الجوار قوله تعالى: (حور عين) (79) ، فالوجه عند الفراء الخفض قال: (وحورٍ عينٍ) خفضها أصحاب عبد الله وهو وجه العربية، وإن كان أكثر القراء على الرفع؛ لأنهم هابوا أن يجعلوا الحور العين يطاف بُهنَّ، فرفعوا على قولك: ولهم حور عين، أو عندهم حور عين. والخفض على أن تتبع آخر الكلام بأوله، وإن لم يحسن في آخره ما حسن في أوله) (80) . ثم قال: (وقد كان ينبغي لمن قرأ: وحورٌ عينٌ لأنهن - زعم - لا يطاف بهن أن يقول:(وفاكهةٌ ولحمُ طير) ؛ لأنَّ الفاكهة واللحم لا يطاف بهما - ليس يطاف إلّا بالخمر وحدها ففي ذلك بيان؛ لأن الخفض وجه الكلام). (81)

وقال العكبري: (( وحورٌ عينٌ) يقرأ بالرفع .. ويقرأ بالنصب على تقدير: يعطون أو يُجازون. وبالجر عطفًا على أكواب في اللفظ دون المعنى، لأنَّ الحور لا يُطاف بهنَّ). (82)

ورأى الطبري أن الرفع والجر قراءتان معروفتان وقد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء مع تقارب معنييهما، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب، وقراءة الخفض تكون على إتباع اعراب ما قبلها من الفاكهة واللحم، وإن كان ذلك لا يُطاف بهِ، ولكن لمّا كان معروفًا معناه اتبع الأخر الأول في الإعراب (83) .

ومن الأمثلة الأخرى قوله تعالى: (فهي خاوية على عروشها وبئرٍ معطلةٍ وقصرٍ مشيد) (84) ، قال الفراء: (البئر والقصر يخفضان على العطف على العروش، و إذا نظرت في معناها وجدتها ليست تحسنُ فيهما(على) ؛ لأن العروش أعالي البيوت والبئر في الأرض، وكذلك القصرُ لأن القرية لم تحوِ على القصر، ولكنه اتبع بعضه بعضًا) (85) ، فالفراء هنا يعلل العطف بالإتباع، وهي علةٌ صوتيةٌ لم يكن للمعنى فيها مدخل فهو إتباع في اللفظ من غير أن يكون إتباعا في المعنى مراعاة للانسجام الصوتي. (86)

أمّا نظير ذلك في كلام العرب، فمثّل له الفراء بقول الراعي النميري (87) :

إذا ما الغانيات برزنَ يومًا ... وزجّجن الحواجب والعيونا

(فالعين لا تزجّج إنما تكحل، فردّها على الحواجب؛ لأن المعنى يعرف) (88) .

ومن الأمثلة الأخرى، قول الشاعر:

ولقيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا

والرمح لا يتقلد، فردَّهُ على السيف. (89)

وقول الشاعر:

علفتها تبنًا وماءً باردًا ... حتى شَتَتْ همالة عيناها

(والماء لا يعتلف؛ إنما يُشرب فجعله تابعًا للتبن) (90) .

فهذه الشواهد وغيرها حملها الفراء على الإتباع، قال المبرد: (وإذا اختلط المذكوران جرى على أحدهما

ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه، لأنَّ المتكلم يبيّن به ما في الآخر و إن كان لفظه مخالفًا فمن ذلك قول الشاعر: شراب ألبانٍ وتمرٍ واقِِطْ

فالتمر والاِقط لا يقال فيهما: شُربًا، ولكن أدخلهما مع ما يشرب فجرى اللفظ واحدًا، والمعنى أن ذلك يصير الى بطونهم، ومثله (91) :

ياليت زوجن قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا

لأن معنى المتقلّد: حامل، فلّما خلط بينهما جرى عليهما لفظ واحد) (92) ، فالنص يؤكد أنَّه لمّا خلط بينهما جرى عليهما لفظ واحد، وما ذاك إلّا (الإتباع) للمجاورة (93) ؛ لأنَّهُ جمع بينهما، في حين رأى ابن جني أنّه محمول على معنى الأول لا لفظه (94) ، ورأى ابن الشجري (أنَّ هذا الفن متسع في كلام العرب يقدرون للثاني ما يصلح حمله عليه، ولا يخرج بهِ عن المراد بالأول فيقدرون هنا وحاملًا رمحًا) (95) ، وحقًا أنَّهُ فن متسع في كلام العرب لكنّا لا نحمله على التقدير بل على المجاورة؛ لذا فما احسن رأي الفراء لأنَّهُ أدنى مأخذا، وقد نسب أبو حيان الأندلسي الى الفراء القول بحمل هذا النوع من كلام العرب على إضمار فعل مناسب (96) ، ونص الفراء لا يوحي بذلك بل هو يقول بالاتباع لأنَّ المعنى واضح ولا لبس فيه.

ثانيًا: صرف ما لا يصرف للتناسب(97)

نحو قوله تعالى: (وجئتك من سبإٍ بنبأ) (98) ، ومنه قراءة نافع والكسائي وأبي بكر عن عاصم (99) ، (سلاسلا) (100) ، قال الفراء: (كتبت(سلاسل) بالألف، وأجراها بعض القرّاء لمكان الألف التي في آخرها. ولم يجرِ بعضهم)، وقال: (ومثل ذلك قوله تعالى(كانت قواريرا) (101) ، واثبت الألف في الأولى لأنها رأس آية والأخرى ليست بآية ... وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله، وقرأ بها أهل البصرة، وكتبوها في مصاحفهم كذلك. وأهل الكوفة والمدينة يثبتون الألف فيهما جميعًا، وكأنهم استوحشوا أن يكتب حرف واحد في معنى نصب بكتابين مختلفين فإن شئت أجريتهما جميعًا و إن شئت لم تجرهما) (102) ومن هنا يتضح أنها لغة لبعض العرب، و إن الإجراء وعدم الإجراء ورد عن العرب وكُلٌّ صواب.

وقال ابن خالويه في قوله تعالى: (سلاسل) (103) : يقرأ بالتنوين وتركه. فالحجة لمن نوّن: أنّه شاكل بهِ ما قبله من رؤوس الآي، لأنها بالألف، و إن لم تكن رأس آية، ووقف عليهما بالألف. والحجة لمن ترك التنوين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت