ويقال: عرف ذاك البادي والقادي. القادي: الآتي. يقال: قَدَتْ علينا قادية ٌ من الناس، أي أتت (25) .
والملاحظ فيما أوردنا من أمثلة ان هذا النوع من الاتباع يتم عن طريق حرف العطف (الواو) الذي يفيد مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه (26) ، لكن
التابع والمتبوع يختلفان من حيث الدلالة (27) ، وهذا الذي وضحناه يرد على الدكتور ابراهيم أنيس الذي يرى أنَّ عبارات الاتباع تنتهي بكلمات لا معنى لها، ولا تستعمل مستقلة، ولا تفيد - في الغالب - معنىً جديدًا (28) ، قال
الدكتور محمد ضاري في قول الرسول (ص) : (حيّاك الله وبيّاك) (29) : (فعلى الرغم من الحكم على(بيّاك) بالاتباع عند بعض الناس، ذُكر أنَّ لها معنى هو: (اضحكك) . وهذا كشف عمّا يمكن أن يكون لتلك الألفاظ
من معانٍ لم تتجلَ أمام الناس حقائقها لانتسابها الى لهجات عربية شتى بعيدة او قريبة، يؤيد ذلك قول العباس في زمزم: (هي لشارب حل وبل) (30) ، فقد روى الأصمعي. أنَّ لفظ (بل) من ألفاظ أهل حمير ومعناه مباح بتلك اللغة) (31) .
تناول النحويون هذا النوع في كلامهم عن المجاورة (أي الإتباع) ، قال سيبويه: (ومّما جرى نعتًا على غير وجه الكلام:(هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) فالوجهُ الرفع، وهو كلام أكثر العرب وأفصحهم. وهو القياس، لأنَّ الخَرِبَ نعتُ الجُحرِ والجُحرُ رفعٌ، ولكنَّ بعض العرب يجُرُّه. وليس بنعتٍ للضبِّ، ولكنه نعتٌ للذي أضيف الى الضبّ، فجرّوه لأنه نكرة كالضبِّ، ولأنَّه في موضع يقع فيه نعتُ الضبّ، ولأنَّه صار هو والضبّ بمنزلة اسم واحدٍ، .. والجحرُ والضبُّ بمنزلة اسم مفرد، فانجر الخَرِبُ على الضبِّ كما أضفت الجحرُ اليك مع اضافة الضبِّ، ومع هذا أنَّهم اتبعوا الجرَّ الجرَّ كما أتبعوا الكسْرَ الكسْرَ، نحو قولهم: بِهِم وبدارِهِم، وما أشبه هذا. وكلا التفسيرين تفسير الخليل) (32) .
من هذا النص يتبّين أن الخليل أول من أشار الى قضية الاتباع النحوي في موضع المجاورة، والعلة عنده: أن الاسمين بمنزلة اسم واحد، وهم اتبعوا الجر الجر كما اتبعوا الكسر الكسْرَ في قولهم بهم وبدارهم، لكنّه جعل ذلك من الغلط، والمراد بالغلط هنا (التوهم) (33) ، قال: (وإنما يغلطون إذا كان الآخر بعدّه الأول وكان مذكرًا مثلهُ أو مؤنثًا) (34) ، وهو هنا قَيّد المجاورة بالتطابق في التذكير والتأنيث، ولم يقيده سيبويه بذلك، واستشهد بقول العجاج (35) :
كأنَّ نسج العنكبوت المرملِ
لكنَّ يُرَدٌّ على سيبويه أنَّه يصح تذكير العنكبوت (36) ، لقول الفراء: (والعنكبوتُ أنثى، وقد يذكرها بعض العرب) (37) ، ويقوي مذهب الخليل قول امرئ القيس (38) :
كأنَّ ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناسٍ في بجادٍ مزمّلِ
(فجر(مزمّل) وهو مفرد مذكر لمجاورته (بجاد) و ايضا مفرد مذكر) (39) والذي دفعهم لذلك حرصهم على اختيار الألفاظ ومطابقتها، قال الاعلم الشنتمري: (
والعرب تختار مطابقة الألفاظ وتحرصُ عليه، وتختار حمل الشيء على ما يجاوره فقالوا (هذا جُحر ُضبٍّ خربٍ) ، فجروا خربًا وهو نعت الجُحر لمجاورةِ الضبِّ هذا من كلام كان فيما صح معناه كاللازمِ) (40) . وهنا يوضح الاعلم الشنتمري أنَّه من الكلام كاللازم.
وبعد الخليل نجد الفراء يتوسع في الموضوع، وكان للدكتور محمد كاظم البكاء الفضل في بيان ذلك، فبيّن أن الاتباع عند الفراء قد اتسع لما يكون في اللفظ وان لم يقتضِ شركة في المعنى (41) من ذلك قوله تعالى:(
فهي خاوية على عروشها وبئرٍ معطلةٍ وقصرٍ مشيدٍ) (42) ، فالفراء يرى أن البئر والقصر يخفضان على العطف على العروش (وإذا نظرت في معناها وجدتها ليست تحسن فيهما(على) ؛ لأنَّ العروش أعالي البيوت والبئر في الأرض، وكذلك القصر، لأن القرية لم تحوِ
على القصر، لكنَّهُ أتبع بعضه بعضًا) (43) ، قال الدكتور البكاء: (التعليل الصوتي صرف لم يكن للمعنى فيه مدخل فهو إتباع في اللفظ من غير أن يكون إتباعا في المعنى) (44) .
لقد كان موقف الباحثين المحدثين متباينًا من ظاهرة الإتباع، الدكتور البكاء أكد وجودها في حين نجد الدكتور خليل بنيان يرفضها مؤكدًا (ان كثرة وقوع هذا الضرب من الغلط في كلام الناس نثرًا وشعرًا لا يبيح الإقدام على القول بوقوع مثل ذلك في كلام الله) (45) ، واستدل على صحة ما ذهب اليه بقول أبي جعفر النحاس: (لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عز وجل، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ وهو قولهم:(هذا جُحرُ ضبٍّ ضربٍ) ، والدليل على انَّه غلط قول العرب في التثنية: هذانِ جحرا ضبٍّ خربان، وإنما هو بمنزلة الاقواء). (46)
وردَّ الدكتور صادق حسين ان يكون الاقواء أو الضرورة هما مَن جعل النحاة يقعدّون مثل هذا الباب (47) وأي اقواء وأي ضرورة في جر (غير) في قول ذي الرُّمة (48) :
تُريك سُنَّةُ وجهٍ غيرِ مُقرفةٍ ... ملساء ليس بها خالٌ ولا نَدَبٌ
وجر (هموز) في قول الحطيئة (49) :
فإيّاكم وحيّةَ بطنِ وادٍ ... هموز النابِ ليس لكم بسيّ
وجر (كُلِّهم) في قول أبي الغريب النصري (50)
ياصاح بلّغ ذوي الزوجات كُلِّهم
أن ليس وصلٌ اذا انحلّتْ عُرى الذّنبِ
فرأى الدكتور صادق حسين أنَّ العرب جوّزوا لانفسهم الجر على الجوار؛ لأنَّهم أمنوا اللبس، فالجحر هو الذي يوصف بالخراب لا الضبّ والسنة توصف بعدم الاقراف لا الوجه والحية بهموز الناب وليس الوادي، (وأمن اللبس هذا هو الذي جوّز لهم رفع المفعول ونصب الفاعل في نحو(خرق الثوبُ المسمار ) ) (51) ، واعترض على ابن جني حمل الكلام على الحذف والإضمار (52) ، لأنه لا يسوغ التقدير في قولهم: (بلغ ذوي الزوجات كلهم) ولو قدّر (كل ذويهن) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه (الضمير) فكيف تحول من التأنيث الى التذكير، وما الذي سوّغ ذلك؟ إنّه