الصفحة 3 من 9

بلا ريب توكيد للمفعول المنصوب وجر لمجاورته المجرور (الزوجات) .

ومثله لو التمسنا التقدير في قول العجاج:

كأنَّ نسج العنكبوت المرمّل لكان (المرمل نسجها) ، (وبحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه يرتفع الضمير ويستتر في صيغة(المرمل) التي لا تدل على ضمير الغائبة المستتر، لانها للمذكر، واستتار ضمير

الغائبة المرفوع فيها يقتضي تأنيثها، وهو مخالف للنص). (53)

وكل ما ذكر من امثلة يجوّز لنا الجرّ على الجوار (أي الإتباع) ، وعدم نكرانه، وايضا القياس عليه خلافًا لما ذهب اليه الدكتور صادق حسين (54) ، وقد أنكر الدكتور علي أبو المكارم أن يكون (الجوار) عامل قياس، قال:(وما ذكره ابن هشام من أنَّهُ قياس في

مواضع لا سند له، على الرغم من أنَّهُ قد عزي لسيبويهِ أيضًا) (55) ، دليله أنَّ(حركة المجاورة ليست

حركة بناء وإعراب، وإنما هي حركة اجتلبت للمناسبة بين اللفظين المتجاورين، فلا تحتاج لعامل؛ لأن الإتيان بها إنما هو لمجرد أمر استحساني لفظي لا تعلق له بالمعنى) (56) ، اقتضاه طلب المشاكلة اللفظية.

وان كان الإتباع علة صوتية، فإنَّ اللسان يجري به، وقد مَرنَ العرب عليه، فهو الأصل الذي لا يتطلب البيان فيه فإذا خرج إلى غيره التمس العلة له (57) . وهو واقع في العربية قديمًا وحديثًا، وليس لنا ان نقصره على السماع، لأنه في جانب منه يمثل لغة من لغات العرب. وقد كان للحديث النبوي الشريف دور في بيان ذلك، من ذلك حديث ادم (ع) الذي قيل فيه (حياك وبيّاك) ، فقد ذكر أنَّ (بيّاك) معناها (اضحكك) ، وهنا نجد أن الحديث كان واحدا من مسالك الوصول الى لغات العرب وإحيائهم (58) .

والاتباع بعد ذلك يدخل في مسائل مختلفة كالجمع نحو قوله تعالى: (خرّوا سُجَّدًا وبكيًّا) (59) ، فـ (بكيًّا) جمع (باك) وهو جمع غير قياسي اذ القياس (بُكاة) كقاضٍ وقُضاة (60) ، ولكن تحقيق التعادل بين (سُجَّدًا) و (بكيًّا) اقتضى هذا الاتباع، فاتبع الثاني الاول لتحقيق التعادل في اللفظ.

ومثله في القران الكريم، قوله تعالى: (وإن منكم إلاّ واردُها كان على ربك حتمًا مقضيًّا ثم ننجي الذين أتّقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا) (61) فـ (جثيًّا) جمع (جاثٍ) ، وهو خلاف القياس فكان أن اتبع الثاني الأول لتحقيق التعادل.

ومن مسائل العربية تعدية فعل لازم إتباعا لأخر قبله كقول العرب (اهنأني و مرأني) فـ (مرأ) تعدى إتباعا، إذ الاصل أن يقال: أمرأني (62) ، ومنه في مسائل الحذف: قول الرسول (ص) في كتابه الى وائل بن حُجْر الحضرمي: (ومن أجبا فقد أربى) ، فالأصل في (أجبا) : (أجبأ) ، فحذفت الهمزة للإتباع (63) ، (إتباع الأول الثاني) ؛ وذلك لتحقيق التعادل بين الألفاظ والتراكيب، ولعلَّ هذا ما دفع الحريري إلى إشاعة ظاهرة الإتباع في مقاماته، فالمقامات من المتون اللغوية التي لا يخفى جانبها التعليمي (64) .

فضلًا عما ذكر من مسائل، كان للدكتور طارق الجنابي وقفة عند مسائل التوافق الحركي الذي هو لون من الإتباع، فسَّر به كثيرًا من حالات النصب والبناء على الفتح التي نجدها في سياقات معروفة من مثل: فتح

لام المستغاث، وكسر المضاف الى ياء المتكلم، وبناء اسم لا النافية للجنس (65) .

الشواهد النحويّة:

الشواهد النحوية في(الإتباع)عديدة، وسنحاول عرض طائفة من الشواهد فيما يشمل التوابع وصرف ما لا ينصرف وجواب الشرط:

أولًا: التوابع:

1 -النعت، قال ذو الرُّمة (66) :

تريك سُنّةَ وجهٍ غيرِ مُقرفةٍ

ملساء ليس بها خال ٌ ولاندب ُ

فخفض (غيرِ) مراعاة للفظ (وجه) . ومثله في القران الكريم (مثلُ الذين كفروا بربِّهم أعمالهم كرمادٍ اشتدَّتْ بهِ الريح في يومٍ عاصفٍ) (67) ، قال الفراء: (في يومٍ عاصفٍ) فجعل العصوف تابعًا لليوم في إعرابهِ ... وإنّما العصوف للريح. و إن نَويت أن تجعل (عاصف) من نعت الريح خاصّة. فلمّا جاء بعد اليوم اتبعه في إعراب اليوم، وذلك من كلام العرب أن يُتبعوا الخفض الخفض اذا أشبهَهُ) (68) ، وقال الطبري في قوله تعالى (في يوم عاصف) : (هو من نعت الريح خاصة، غير أنّه لمّا جاء بعد اليوم أتبع اعرابه، وذلك أن العرب تتبع الخفض الخفض في النعوت، كما قال الشاعر:

تريك سنّةَ وجهٍ غيرِ مُقرفة ٍ ... ملساء ليس بها خال ٌولا ندب

فخفض غير إتباعا لإعراب الوجه، وإنما هي من نعت السنة، والمعنى سنّة وجه غيرَ مقرفة، وكما قالوا: (هذا جُحر ضبٍّ خربٍ) (69) . وقال أبو حيان: (عاصف من صفة الريح، إلاّ أنّه لمّا جاء بعد اليوم اتبع إعرابه كما قيل: جُحر ضبٍّ خربٍ، يعني: أنّه خفض على الجوار) (70) ، فالإتباع أو الجر على الجوار وجه سليم في العربية وإن كان هناك أوجه أخرى قال الالوسي: (( في يوم عاصف) العصف اشتداد الريح وصف به زمان هبوبها على الإسناد المجازي كنهاره صائم وليله قائم للمبالغة، وقال الهروي: التقدير في يوم عاصف الريح فحذف الريح لتقدم ذكره كما في قوله:

إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف*

والتنوين على هذا عوض من المضاف إليه، وضعف هذا القول ظاهر) (71) ، أو هو من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه والتقدير في يوم عاصف، أو إضافة الموصوف إلى الصفة من غير حاجة الى حذف. (72)

ومن الأمثلة قوله تعالى: (إن الله هو الرزاق ذو القوّة المتينِ) (73) ، فخفض المتين والوجه أنَّ يرفع لأنَّه نعت (الرزاق) (74) ، ومثله في القران الكريم قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت