الصفحة 1 من 9

الإتباع النّحويّ في العربيّة

م. د. سهى كناوي حسن

جامعة ذي قار - كلية الاداب -قسم اللغة العربية

الإتباع لغةً واصطلاحًا:

الإتباع لغةً:

تبع من باب طَرِبَ وسَلِمَ (1) ، (وَتبع الشيء تبعًا وتباعًا في الافعال، وتبعت الشيءَ تبوعًا: سِرْتُ في إثرهِ ... ، وأتبعه الشيء: جعله له تابعًا، وقيل أتبع الرجل سبقه فلحِقَهُ. وتِبعَهُ تبعًا واتَّبَعه: مرَّ بهِ فمضى معه. وفي التنزيل في صفة ذي القرنين:(ثم اتّبَعَ سببا) (2) بتشديد التاء، ومعناها تَبِع وكان أبو عمرو بن العلاء يقرؤها بتشديد التاء، وهي قراءة أهل المدينة، وكان الكسائي يقرؤها (ثم أتبع سببا) بَقطع الألف) (3)

وحكى أبو عبيدة والأصمعي أنّه يقال: تَبِعَهُ وأتَّبَعَهُ إذا لحقتهُ. قال أبو عبيدةَ: ومثله (فأتبعوهُمُ مُشرقين) (4) ، ورأى أبو جعفر النحاس: أنَّ هذا التفريق إن كان الأصمعي قد حكاه، فلا يقبل إلاّ بدليل وقوله عزَّ وجلّ (فأتبعوهُم مشرقين) ليس في الحديث أنه لحقوهم، و إنَّ تَبِع واتبع واتَّبع لغات بمعنى واحد، وهي بمعنى السير، فقد يجوز أن يكون معه لحاق وان لا يكون. (5)

وتبعتُ الشيء وأتبعتهُ مثل ردفْتُه واردفْتُهُ (6) ، (والإتباع في الكلام، مثل حَسَنَ بَسَن وقبيح شقيح) (7) .

أمّا الابتاع اصطلاحًا، فهو: (ان تتبع الكلمة الكلمةُ على وزنها ورويّها إشباعًا، وتوكيدًا اتساعًا: كقولهم: جائعٌ نائعٌ، وساغبٌ، لاغبٌ وعطشان نطشان، وصبٌّ، وخرابٌ يبابٌ) (8) ، وهذا الذي قاله الثعالبيّ يؤكد أنَّ هذه الظاهرة من مظاهر الاتساع في اللغة، وهو أول من قال بالاتساع فيها في اللغة. (9)

والإتباع أنواع منه الحركي ومنه اللفظي، وهناك نوع ثالث لم يلقَ الاهتمام الكافي وهو الإتباع النحويّ، وهو ما سنحاول الوقوف عنده وتفصيل الكلام فيه، ولكن لابد لنا من الوقوف عند النوعينِ الأولينِ:-

1 -الإتباع الحركي:

(ظاهرة صوتية تميل إلى تقريب الأصوات بعضها من بعض، من أجل الاقتصاد في الجهد المبذول وصولًا للانسجام الصوتي) (10) ، كإتباع الضمة الضمة ومنه قراءة (الحمدُ للهِ) ، واتباع الكسرة الكسرة كقراءة (الحمدِ لِلِهِ) وهذا كثير في كلامهم، وشاع استعماله (11) ، (لذا اتبعوا أحد الصوتين الاخر، وشبهوهما بالجزء الواحد، وان كان جملة من مبتدأ وخبر، فصارت(الحمدُ لُله) كعُنُق وطُنب، و (الحمدِ لِله) كإِبِل واِطِل) (12) ، وقد رأى ابن جني أنَّ (الحمدُ لُله) بضم الحرفين أسهل من (الحمدِ لِله) بكسرهما من موضعين:

الأول: إنَّ أقيس الإتباع أنْ يكون الثاني تابعًا للأول، (لأنَّه جارٍ مجرى السبب والمسبب، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبةً من المسبب فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال كما نقول: مُدَّ وشُدَّ) (13) .

الثاني: أنَّ ضمة الدال في (الحمدُ) إعراب، وكسرةُ اللام في (لِلهِ) بناء، وحركة الإعراب أقوى من حركة البناء، والأولى أن يغلب الأقوى الأضعف، إضافة الى كثرة باب عُنُق و طُنُب في قلة باب إِبِل واِطِل. (14)

2 -الإتباع اللفظي:

وهو أن تتبع الكلمة الكلمة، وهو على نوعين: نوعٌ يكون فيه الثاني بمعنى الأول نحو: غنيٌّ مليٌّ، فـ (مليٌّ) بمعنى (غني) (15) ، وهذا النوع الغرض منه التوكيد.

والنوع الآخر يكون فيه الثاني في غير معنى الأول، نحو أسوان أتوان بمعنى حزين متردد. (16)

ومن الأمثلة ما رواه الأصمعي عن امرأة من العرب أنَّها قالت: إنّي لأبغض من الرجال الأمْلحَ الاقلحَ،

والملحة بياض الشيب، والقلحٌ:: صُفْرةُ الاسنان (17) ، وهذا النوع يؤتى بهِ لتقوية المعنى المراد، قال ابن فارس: (ان بعض العرب سُئل عن هذا الإتباع فقال: هو شيءٌ نتذٌُّ بهِ كلامَنَا) . (18)

وهناك تقسيم اخر للاتباع اعتمده الباحث عبد الحسين خضير في رسالته (مقامات الحريري دراسة لغوية) (19) ، وهو:

الأول: الاتباع المحض المتصل: نحو قولهم: (سادم نادم وندمان سدمان وندمى سدمى ونداهي سدامي للجميع) (20) ومنه جديد قشيب، فالقشيب: الجديد، والتقديم والتأخير هنا لا أثر له في دلالة تركيب المفردتين مّما يدل على انهما رديفان. (21)

الثاني: الاتباع المنفصل بحرف وغيره (المزاوجة) (22) ، من مثل قولهم: ماله سَبَدٌ ولا لبدٌ. السَّبدُ: الشَّعَرُ والوبر واللبد: الصّوفَ، ويقولون: لا يُجدي ولا يُمْدِي، ويُجدِي من الجدوى، ويمدى: يبلغ المدى (23) ، قال ابن ميادة (24) :

بَيتٌ بناهُ الحارثان لنا إذ أنتَ لا تجدي ولا تمدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت