الصفحة 19 من 58

إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شيء يُطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعًا وعريًا" (2) ."

الدروس المستفادة من هذه الحادثة:

1)لقد فكر الأعداء كما رأيت تفكيرًا جماعيًا جادًا منظمًا ومعتمدًا على التخطيط الدقيق لضرب الحركة الإسلامية، وذلك حينما بدأت قاعدتها في الرسوخ، ونجحت في جذب العناصر القوية إليها، وبدأت تفكر في الحماية الأمنية اللازمة حتى تؤدي رسالتها للعالمين، عندئذ أدرك الأعداء أنه لا بد من القضاء على هذه الدعوة في مهدها، فكانت فكرة الحصار الاقتصادي وسياسة التجويع أملًا يداعب حلمهم ويطفئ ثورة حقدهم. ولكن الله خذلهم فأعز دينه وأتم نوره وازدادت الدعوة صلابة وقوة وازداد أصحابها يقينًا وتضحيات؛ فلا بد إذن من اليقين بأن الله متم نوره ولو كره الكافرون، وأن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار مهما مكر الأعداء بأهله (( ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ ) ) [الأنفال: 30] .

2)لم تقتصر معاهدة قريش وأذاها على أصحاب الدعوة وحدهم بل شملت كل من يعطف عليهم أو يدافع عنهم أو يمدهم بصلة ولو سرًا. ولهذا ينبغي لعموم المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة مع علمائهم ودعاتهم يؤازرونهم وينصرونهم، وعلى الدعاة إلى الله تقوية صِلاتهم بأكبر قدر ممكن مع جمهور المسلمين ومد الجسور إليهم بالطرق الشرعية الصحيحة حتى يكونوا صفًا واحدًا لا تخترقه سهام الأعداء. قال الله تعالى: (( واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا ) ) [آل عمران: 103] .

3)لقد تجرع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم مرارة هذا الحصار وتقلبوا في لظى هذه المؤامرة الخبيثة عندما أُطبِقَ عليهم بسياج من الظلم المكشوف المتمثل في تلك الصحيفة الجائرة، فصبروا حتى أتاهم نصر الله. لقد كانو يقدرون مسؤولية تبليغ الرسالة الملقاة على كواهلهم، وكانوا يدركون حقيقة هذه الرسالة وطبيعتها، وأنها لا بد أن تبلَّغ للناس بجهد من البشر، وفي حدود قدراتهم؛ فكان الصبر على مثل هذا البلاء نِعْمَ الزاد الذي يتناسب وطبيعة الطريق. لقد كانت التربية الجادة على منهج القرآن الكريم عاملًا مهمًا من عوامل الصمود والتحدي أمام الباطل وأهله، ولقد كانت تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابة على الصبر مقصودة في حد ذاتها؛ لأنه يعلم ويريد أن يعلمهم أن النصر مع الصبر، وأن البلاء سُنَّة ماضية، وأن أهل الإيمان لا بد أن يتعرضوا للفتن تمحيصًا وإعدادًا. قال الله تعالى: (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) ) [العنكبوت: 2] .

4)لقد تجلت التضحيات والمواقف النبيلة للثبات على المبدأ الحق عند الصحابة الكرام بما يبهر العقول وتعجز عن وصفه الألسن، ولذلك لم يكن مثل هذا المكر السيئ والكيد المسعور ليثنيهم عن واجب عظيم ورسالة قد آمنوا بها وأُشرِبوا حبها وعاهدوا الله على الجهاد في سبيل نشرها. إن الثبات والاستمرار في الدعوة علامة على صدق الداعية وإخلاصه وفهمه السليم لطبيعة الدعوة وحقيقتها، وإن التراجع أو الانتكاسة في منتصف الطريق وعند المنعطفات الحرجة التي تمر بها الدعوة يعد علامة على ضعف الإيمان وتزعزع اليقين وحب الدنيا والخلود إليها.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى: (وفي أيام الشِّعب كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج ولم تشغلهم آلامهم عن تبليغ الدعوة وعرضها على كل وفد؛ فإن الاضطهاد لا يقتل الدعوات؛ بل يزيد جذورها عمقًا، وفروعها امتدادًا، وقد كسب الإسلام أنصارًا كثرًا في هذه المرحلة) (3) .

فالثباتَ الثباتَ أيها الدعاة، وعليكم بمواصلة السير والاستفادة من كل باب مفتوح لتبليغ الدعوة بالحكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت