وأمر آخر أيضًا، وهو أن رجوع هؤلاء الخمسة إلى المغرب كان في سنة (140 هـ) ، وقيام دولة أبي الخطّاب المعافري كان في نفس السنة، فهل استطاع أبو الخطّاب وأصحابه نشر الدعوة وإقامة الدولة بهذه السرعة؟!
وقد صادف رأي الخوارج هذا محل قبول في قبائل البربر لأسباب عدة، من أهمها:
1 -الجهل: فالبربر كانوا أمة عالة على غيرهم من الأمم في الديانة، فمنهم المجوس، ومنهم النصارى، ومنهم من لا دين له كما تدل عليهم مقولة أحد ملوك المغرب ـ واسمه يليان ـ كما في البيان المغرب (1/ 26) ، وذلك أنه لمّا سالم عقبة بن نافع رحمه الله ونزل على حكمه، قال: «قد تركت الروم وراء ظهرك، وما أمامك إلا البربر، وهم مثل البهائم، لم يدخلوا في دين نصرانية ولا غيرها، وهم يأكلون الجيف، ويأكلون مواشيهم ويشربون دماءها من أعناقها، فقد كفروا بالله العظيم فلا يعرفونه، ومعظمهم المصامدة» ا. هـ.
فليس لهم إذًا ديانة مستقلة يحملونها ويدافعون عنها، ولما دخلت طلائع الفتح الإسلامي وقفوا في وجه الإسلام أَنَفَةً أن يحكموا من غيرهم، فإن كانت الدائرة عليهم أظهروا الإذعان لحكم الإسلام، ومتى ما وجدوا فرصة للانتقاض انتقضوا ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهذا الذي قصده أبو محمد ابن أبي زيد بقوله: إنهم ارتدوا اثنتي عشرة مرة. وكان لثوراتهم المتكررة أثر كبير في إضعاف شوكة المسلمين الفاتحين، وإلا لاكتسحوا أوروبا بأكملها، ولم يقفوا عند الأندلس فقط، ومن يقرأ في كتب التواريخ، ويطّلع على أخبارهم في مقاومة الفتح يجد عجبًا.
وقد أدرك بعض المصلحين من الفاتحين مكمن الخطر في هذا الجنس من البشر، ورأى أن أفضل الحلول: تعليمهم، وتفقيههم، ليعلموا أن القصد ليس الاستيلاء على الأرض وسلب الأموال، وإنما نشر هذا الدّين، فإذا خضعوا لحكم الإسلام عصموا دماءهم وأموالهم، وأصبحوا جزءًا من هذا الكيان العظيم. فهذا موسى بن نصير رحمه الله يحكي عنه ابن عذاري المراكشي في"البيان المغرب" (1/ 42) أن البربر لما رأوا ما أوقع بهم رحمه الله من القتل والسبي استأمنوا وأطاعوا، فولى عليهم واليًا، وأمر العرب أن يُعلِّموا البرابر القرآن، وأن يفقهوهم في الدين ويعلموهم شرائع الإسلام، وترك فيهم سبعة عشر رجلًا من العرب يعلِّمونهم،