فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 218

تركها واستقبال القبلة التي أمر الله تبارك وتعالى بها، وبهذا يتبين أن من حكم النسخ العظيمة الابتلاء والامتحان للمؤمنين.

فالعبد المؤمن دائمًا يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يقول كما قال أهل الكتاب من قبلنا: سمعنا وعصينا، وهكذا كان حال السلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم-، ومن حكم النسخ تحقيق العبودية، فلو أعجبتك طاعة من الطاعات، لكن الله تعالى يأمرك في وقت معين بطاعة أخرى غيرها لسبب من الأسباب الشرعية، فلا تذهب إلى ما تميل إليه نفسك، بل تتعبد الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فتفعل ما أمر الله به وما أمر به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فالمقصود أن الموضوع الأول هو موضوع القبلة، والموضوع الآخر هو موضوع تحريم الخمر؛ لأنه كما جاء في الصحيح: {مات قومٌ يوم أحد والخمر في بطونهم} وهم من أفاضل الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فاستشهدوا في سبيل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والخمر في بطونهم، فجاء هذا السؤال مرة أخرى عند الصحابة الكرام، فقالوا: ما حال إخواننا الذين ما توا وهم يشربون؟ وروى الحاكم وغيره أن هذا السؤال أثاره اليهود، وهذا لا يستبعد.

فتحريم الخمر ليس حدثًا هينًا، بل هو أمر عظيم جدًا، فقد أنزل الله تحريمها، وبَلَّغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك للمؤمنين، فجرت بها سكك المدينة وطرقها، وقال الله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] قالوا: انتهينا، وكلٌ أراق ما عنده، فأصبحت الخمر تجري في طرقات المدينة، كأنها السواقي أو الأنهار الحمراء من هذا الشراب الخبيث؛ وانتهوا لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أمرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت