فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 53

وكونه سائرًا إلى نهاية وأجل مسمّى لا يزيل عنه صفة الحق، الذي خُلِق به وقام عليه. ولأنّ الإنسان جزء من الخلق وابن شرعيِّ للطبيعة فلا ينبغي له أن يغفل عن أنه يجري عليه ما يجري عليها: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 40/ 56} لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (غافر: 56 - 57) . وهم إن علموا شيئًا وهم في حالة كفر بالوحي أو انفصال عنه فإنما {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 7)

والتفكر في هذا المدخل وتدبُّره بعناية يؤدّي بالإنسان كذلك - إلى إدراك ذلك التلازم العجيب الذي أوجده الخالق البارئ المصور - جل شأنه وعزّت قدرته - بين العلم والإيمان. وأن العلم حين ينفصل عن الإيمان يكون أحيانًا ضرره أكبر من نفعه: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (الروم: 56)

لقد عمل القرآن المجيد على بناء أمتن وأقوى وأفضل العلاقات بين الإنسان والعالم المخلوق لله، والمسخر له لئلاّ يقع بينهما تنابذ أو تصارع، أو علاقات مضطربة فتضيع حِكم كثيرة قد لا تؤثر في تسخير الطبيعة أو الكون الخاضع لسنن لا تبديل لها، ولكنّها تحرم الإنسان من تلك المشاعر السامية - في الحد الأدنى - وهي المشاعر التي تجعله يحسُّ بحبِّ واحترام بيئته، وما فيها ومن فيها فيحقق السلام النفسيّ والذاتيّ، ويحقق السلام مع كل ما حوله ويدرك قدر نعم الله التي لا تحصى عليه حين سخَّر له كل ما حوله، وعلّمه كيف يستفيد به، ويستخلف فيه ويعمره، ويقيم الحق والعدل فيه، ويقوده في قافلة العبادة والتسبيح للذي خلق سبحانه.

فالإنسان لا يحتاج لقهر الطبيعة والخلق، وكيف يحتاج لذلك والكلّ مسخرَّ له بتسخير الله تعالى، وهو الذي مكَّنه من ذلك - كلّه- {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية: 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت