الصفحة 9 من 15

مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد الدار)، وجعل الضمير في (يشركون) لهما ولأعقابهما (148) وتابعه في هذا القول الرازي (149)

وفي هذا القول ما لا يخفى من التكلف؛ لأنه ليس في اللفظ ما يدل عليه.

ب-نسب إلى أبي علي الفارسي قول، يكون فيه معنى قوله (جعلا له شركاء) ، جعل أحدهما له شركاء، أو ذوي شرك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما حذف في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:31) ، والمعنى: على رجل واحد من رجلي القريتين (150)

وهذا القول يشير إلى إشراك حواء دون آدم (عليه السلام) ، وهو بعيد أيضا؛ لما يؤديه من ركّة في التعبير القرآني، فعلى هذا التقدير يكون الضمير في (دعوا الله) عائدا إلى آدم وحواء (عليهما السلام) ، وفي قوله: (جعلا له شركاء) عائدا إلى أحدهما، وفي قوله: (فتعالى الله عما يشركون) عائدا إلى حواء ومن أشرك من ولد آدم (عليه السلام) ، وفي هذا ما لا يخفى من التكلف. وفي توجيه النص أقوال أخر آثرت تركها اختصارا (151)

ومن النصوص الأخر التي وجهها النحويون والمفسرون تنزيها للأنبياء (عليهم السلام) قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ / يونس:94) .

فظاهر النص الكريم يوهم بوقوع الشك من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأوحي إليه أن يسأل ليزول عنه ذلك الشك، وهذا غير جائز؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم قبل النبوة وبعدها من كبير الذنوب وصغيرها، وقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (لم أشك ولم أسأل) (152)

ولتنزيه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يصفه به ظاهر اللفظ ذكر العلماء أقوالا عدة في توجيه الآية، منها:

أولا: أن تكون (أن) نافية بمعنى (ما) ، وقوله (فاسأل) جوابا لشرط مقدر، أي: ما كنت في شك مما أنزلنا إليك، فإن أردت أن تزداد يقينا فاسأل الذين يقرؤون الكتاب، أي لسنا نريد بأمرك أن تسأل لأنك شاك، ولكن لتزداد إيمانا، كما قال إبراهيم (عليه السلام) حين قال له الله تعالى: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي / البقرة: من الآية 260) ، فالزيادة في التعريف ليس مما يبطل العقيدة، ونُقِل هذا القول عن الزجاج (153) . وأجازه النحاس (154) ، واستبعده الآلوسي؛ لكونه خلاف الظاهر، وما ذكر من أقوال في توجيه النص أولى للأخذ بها (155)

ثانيا: أن يكون الخطاب لغير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيكون المعنى: فإن كنت في شك أيها المخاطب أو أيها السامع مما أنزلنا إليك على لسان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) (فاسأل الذين يقرؤون الكتاب) (156) وهو مذهب ثعلب، والمبرد (157) واستدل عليه ابن قتيبة بنظائر من التنزيل (158) ، واستحسنه القرطبي (159) ، والبيضاوي (160) . وهذا القول مع حسنه خلاف الظاهر (161)

ثالثا: أن يكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو شامل للخلق، فيكون المعنى: إن كنتم في شك فاسألوا، والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر السورة: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ/ يونس:104) ، فأعلم الله سبحانه وتعالى أن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس في شك، ومثل هذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ / الطلاق: من الآية 1) ، فقال: (طلقتم) والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ونُسِب هذا القول إلى الزجاج (162)

واختاره ابن قتيبة ذاهبا إلى أن القرآن الكريم نزل بمذاهب العرب كلهم، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره، ولذلك جاء في مثلهم: (إياك أعني واسمعي يا جارة) ، ومثله قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيما ً/ الأحزاب:1) ، فالخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد بالوعظ المؤمنون، يدلك على ذلك أنه قال: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا / الأحزاب:2) ، ولم يقل: بما تعمل خبيرا (163) واختاره أيضا: الواحدي (164) ، الطوسي (165) ، والزركشي (166) ، والثعالبي (167)

رابعا: أن الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن لم يشك، وعلم الله تعالى أنه غير شاك، ولكن خرج الكلام مخرج التقرير، كما يقول القائل لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ولأبيه: إن كنت والدي فتعطف عليّ، ولولده: إن كنت ابني فبرّني، يريد بذلك المبالغة، فيكون معنى الآية الكريمة: لو كنت ممن يشك فشككت (فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك) ، وهو مذهب الفراء (168) واختاره الطبري جاعلا نظير الآية قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ / المائدة:116) ، وقد علم جلّ ثناؤه أن عيسى (عليه السلام) لم يقل ذلك، وهذا من ذلك، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن شاكا في حقيقة خبر الله تعالى وصحته، ولكنه تعالى خاطبه خطاب قومه (169) ، واختاره أيضا البغوي (170)

خامسا: وقيل: إن الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن المراد بالشك: الضيق والشدة بما يعانيه من تعنتهم وأذاهم، أي: إن ضقت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت