الصفحة 10 من 15

ذرعا بما تلقى من أذى قومك (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِك) ، كيف صبر الأنبياء (عليهم السلام) على أذى قومهم فاصبر كذلك (171) وهو ما اختاره الكسائي (172) ، واستحسنه الشوكاني (173) ، واستبعده الآلوسي (174)

وذهب الرازي إلى أن القضية الشرطية لا تفيد إلا ترتيب الجواب على الشرط، أما أن الشرط حاصل أو لا فهو غير مستفاد (175)

وزاد أبو حيان هذا القول بيانا، إذ أشار إلى أن (إن) الشرطية (( تقتضي تعليق شيء على شيء، ولا تستلزم تحتم وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك مستحيل، كقوله تعالى:(قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ / الزخرف:81) ، ومستحيل أن يكون لله ولد، فكذلك هذا مستحيل أن يكون في شك، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ / الأنعام: من الآية 35) ، أي: فافعل، لكن وقوع (إن) للتعليق على المستحيل قليل، وهذه الآية من ذلك، ولما خفي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية )) (176) واستحسنه أيضا أبو السعود (177) ، والآلوسي (178)

وأراه أظهر ما قيل في النص القرآني لكن الأمر المشكوك فيه ليس نبوته

(صلى الله عليه وآله وسلم) كما ذهب إلى ذلك غير واحد (179) ، لأنه إن كان المقصود من أهل الكتاب عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار وغيرهما كما نقلت ذلك الروايات (180) ، كان إسلامهم دليلا على صحة نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإن كان المقصود غيرهم ممن لم يؤمنوا، فهذا غير جائز؛ لأن هؤلاء دفعهم عنادهم إلى تحريف صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التوراة والإنجيل، وبذلك لن يعترفوا بنبوته وصفته لمن يسألهم، وإنما المقصود بذلك قصص القرآن، أي: إن كنت في شك من القصص المنزلة عليك ومن جملتها قصة فرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِك َ / يونس: من الآية 94) (181)

(( ومن لطيف الإشارة أن الله تعالى لم يذكر في القصص المذكورة في هذه السورة قصة هود وصالح؛ لعدم تعرض التوراة الموجودة عندهما لقصتهما، وكذا قصة شعيب وقصة المسيح؛ لعدم توافق أهل الكتب عليهما ) ) (182)

وهذا القول لا يستلزم وجود ريب في قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تحقق شك منه، فإن أسلوب الآية الكريمة نوع من الخطاب، يصح أن يخاطب به من هو على يقين من القول وبينة من الأمر كون المعنى الذي أخبر به المخبر بما تعاضدت عليه الحجج، فعلى ما بينه الله تعالى حجة وهناك حجة أخرى، وهي أن أهل الكتب السماوية الموفين لها حق قراءتها يجدون ذلك فيما يقرؤونه من الكتاب، وهو أمر لا يسع أهل الكتاب أن ينكروه وإنما كانوا ينكرون بشارات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبعض ما يختص به الإسلام، وما غيروه من الكتب من الجزئيات (183)

وذهب آخرون إلى أن النص القرآني على ظاهره من وقوع الشك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (184) ، وحاشاه من هذا الأمر.

ومن النصوص الأخر التي تم توجيهها تنزيها للأنبياء (عليهم السلام) ، وإثباتا لعصمتهم، قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ / يوسف:24) .

فقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) خرج مخرجا واحدا، ومعلوم أن همّ زليخا متعلق بالقبيح، والشاهد على ذلك القرآن الكريم، لقوله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ / يوسف: من الآية 23) ، وقوله تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِين ٍ / يوسف:) ، وقوله تعالى: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين َ/ يوسف: من الآية 51) ، ويشهد بذلك أيضا إجماع المفسرين على أنها همّت بالمعصية والفاحشة (185)

ولثبوت تعلق همها بالفاحشة تمسك عدد من المفسرين بأن همّه (عليه السلام) متعلق بالفاحشة أيضا؛ لأن سياق الهمّين خرج مخرجا واحدا.

وهذا الأمر أنكره عدد من المفسرين والنحويين؛ لثبوت عصمة الأنبياء (عليهم السلام) ، ولأن الأدلة العقلية التي لا يتطرق إليها الشك والاحتمال والمجاز دلت على أن يوسف (عليه السلام) لا يجوز أن يفعل القبيح ولا يعزم عليه (186)

وقد أثبت العلماء للهمّ معاني عدة، منها: العزم على الفعل، كقوله تعالى: (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ / المائدة: من الآية 11) ، أي: أرادوا ذلك وعزموا عليه، فلو حمل (الهمّ) في النص القرآني على العزم لكان التأويل فيه أمرا لابد منه، وهو ما ذهب إليه المفسرون بأقوال عدة:

الأول: أن (الهمّ) في ظاهر الآية معلق بذاته (عليه السلام) وذاتها، وذلك غير جائز؛ لأن الذوات لا تراد، فلا بد من تقدير أمر محذوف يتعلق العزم به، وقد أمكن أن يتعلق عزمه (عليه السلام) بغير القبيح ويكون متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه، فكأن التقدير: ولقد همت بالفاحشة وأرادت ذلك، وهم يوسف

(عليه السلام) بضربها ودفعها عن نفسه، وعلى هذا يكون معنى رؤية البرهان: أن الله تعالى أراه برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أو قتلوه، أو ادعت عليه المراودة على القبيح لامتناعها منه، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه صرف عنه السوء والفحشاء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت