الصفحة 11 من 15

ويكون التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك، ويكون جواب لولا محذوفا يدل عليه قوله: (وهمّ بها) ، ولا يجوز أن يكون قوله: (وهمّ بها) جوابا لـ (لولا) ؛ لأن جوابها لا يتقدم عليها (187) وهو اختيار ابن قتيبة (188) ، وأجازه الشريف المرتضى (189) ، والشيخ الطوسي (190)

وذهب الرازي إلى أن (الهمّ) إن كان بمعنى (العزم) فلا بد من تعلقه بمحذوف، وليس تعلقه ببعض الأمور أولى من تعلقه ببعض إلا لدليل، وهمّها باتفاق متعلق بالفاحشة، أما همّه (عليه السلام) فقد دلت الآيات على أنه لا يجوز تعلقه بالفاحشة لذلك أمكن أن يتعلق بدفعه إياها (191)

لكن هؤلاء سوى ابن قتيبة لم يشترطوا إضمار جواب (لولا) ، بل أجازوا أن يكون جوابها متقدما عليها، وهو قوله: (وهمّ بها) (192)

الثاني: (( أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، فيكون التقدير: ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولما رأى برهان ربه لم يهم بها، ويجري هذا مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا أني تداركتك، وقد كنت قتلت لولا أني خلصتك، والمعنى: لولا تداركي لهلكت، ولولا تخليصي إياك لقتلت، وإن كان لم يقع هلاك أو قتل، ومثله قول الشاعر:

فلا يدعني قومي ليوم كريهة ... لئن لم أعجل ضربة أو أعجل

وقال الآخر:

فلا يدعني قومي صريخا لحرة ... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر )) (193)

فـ (الهمّ) على هذا القول على معناه الحقيقي، وإنه (عليه السلام) لم يقع منه الهمّ البتّة؛ لوجود رؤية البرهان.

وهذا القول جار على قاعدة الكوفيين من جواز تقديم جواب لولا عليها (194) ، ونسب إلى قطرب (195) ، وأبي عبيدة (196) ، وأجازه الشريف المرتضى (197) ، والطوسي (198) ، وابن الجوزي (199) ، والرازي (200) ، والقرطبي (201)

وأنكره عدد من النحويين والمفسرين من جانبين (202) :

أحدهما: أنه لا يجوز تقديم جواب لولا عليها.

الآخر: أن جوابها يكون باللام، كقوله تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون َ/ الصافات:143 - 144) .

أما الاعتراض الأول فمردود؛ لأن عددا من المفسرين ذهبوا إلى جواز تقديم جواب (لولا) مستدلين على ذلك بقوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين َ/ القصص:10) ، فقوله: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي) ، إما أن يكون جواب (لولا) أو يكون دليلا عليه، وإذا دار الأمر بين أن يكون جوابها محذوفا وبين أن يكون متقدما عليها، فلا شك في أن التقديم أولى (203) ، فضلا عن أن من أعلام البصرة من أجاز تقديم جواب لولا عليها كأبي زيد الأنصاري، والمبرد (204)

أما الاعتراض الآخر، وهو اقتران الجواب باللام، فهو غير لازم، لجواز أن يأتي جواب (لولا) - إذا كان بصيغة الماضي - باللام وغير اللام، فيقال: لولا زيد أكرمتك، ولولا زيد لأكرمتك (205)

واستحسن النسفي (206) ، وأبو حيان (207) ، والآلوسي (208) ، أن يكون جواب (لولا) محذوفا، ويكون قوله: (وهم بها) داخلا في القسم مع قوله تعالى: (ولقد همت به) ، وهو الدليل على الجواب المحذوف.

الثالث: اختار النحاس (209) قولا بعيدا عن التكلف والتأويل، يكون فيه معنى قوله: (وهم بها) : اشتهاها، ومال طبعه إلى ما دعته إليه، وقد يجوز أن تسمى الشهوة همّا، على سبيل التوسع والمجاز، ولا يقبح في الشهوة؛ لأنها من فعل الله تعالى، وإنما يتعلق القبح بالمشتهي. واستحسنه الزمخشري، مشيرا إلى أن المراد بهمه (عليه السلام) : (( أن نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها من شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهمّ به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم وهو يكسر ما به ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع ) ) (210)

واختاره البيضاوي، مشيرا إلى أن ميل الطبع ومنازعة الشهوة خارج الاختيار وبذلك لا يدخل تحت التكليف (211) . واستحسنه النسفي (212) ، واستدل عليه أبو السعود بما سبق من آيات استعصامه المنبئة عن كمال كراهيته له، ونفرته عنه، وإنما عبر عنه بـ (الهم) لمجرد وقوعه في صحبة همها بالذكر بطريق المشاكلة، لا لشبهه به، ثم إن الآية أشارت إلى تباين الهمّين، فهمّها صدر بما يقرر وجوده من التوكيد القسمي، وعقب الثاني بما يعقبه أثره قوله عز وجل: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ) (213)

وشبه الآلوسي همّه (عليه السلام) بظمأ الصائم في اليوم الحار إلى الماء البارد، ومثل هذا لا يكاد يدخل تحت التكليف (214)

ومن المفسرين الذين تمسكوا بوقوع المعصية من يوسف (عليه السلام) : الطبري الذي اكتفى بأن هذا القول مروي عن السلف ولا يجوز مخالفتهم (215) ، وتابعه في ذلك البغوي (216)

وهذا المذهب مردود لأن ما ورد في التنزيل من تنزيه يوسف (عليه السلام) يدل على خلافه، ومن ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت