فالاستماع ليس من صفة الله تعالى؛ لأنه جار مجرى الإصغاء، كما قال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا / الجن:1) ، وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : (من استمع إلى حديث قوم هم له كارهون صب في أذنيه البرم) (104) ، والبرم: الكحل المذاب.
وتنزيها لله تعالى عن هذه الصفة استعان بعض المفسرين بأسلوب نيابة الصيغ ليتفق النص القرآني والعقيدة الإسلامية، مشيرين إلى أن (مستمع) في النص القرآني في موضع (سامع) ؛ لأن الاستماع طلب السمع بالإصغاء إليه، وذلك لا يجوز عليه سبحانه، وإنما أتى بهذه اللفظة؛ لأنه أبلغ في الصفة وأوكد (105)
ولو حمل المفسرون لفظة (مستمع) على المجاز لكان أفضل؛ لأن القرآن الكريم دقيق في اختيار ألفاظه، فلفظة (مستمع) في النص القرآني وردت مبالغة في بيان إعانة الله تعالى أولياءه، ولولاها لما توصلنا إلى معنى المبالغة في النص الكريم، وقد تنبه إلى ذلك الزمخشري، حاملا لفظة (مستمع) على المجاز (106) ، وتابعه البيضاوي، إذ يرى أن الله تعالى مثّل نفسه بمن حضر مجادلة قوم استماعا لما يجري بينهم، وترقبا لإمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بالإعانة، ولذلك تجوز بالاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات) (107)
واستحسن أبو حيان قول ابن عطية الذي يرى أن القصد من لفظة
(مستمع) : إظهار التهمم ليعظم أنس موسى (عليه السلام) ، أو تكون الملائكة بأمر الله تعالى إياها تستمع (108)
ومن النصوص التي وجهها العلماء تنزيها لله تعالى مما لا يليق به، قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ٌ / الأنعام:17) .
فحقيقة المس تلاقي جسمين (109) ، والفعل (يمسسك) في النص القرآني مسند إلى الله تعالى، وهذا الأمر لا يجوز نسبته إلى الله - جلت قدرته -؛ لأنه ليس جسما، فتأول الطبرسي النص بقوله: (( فإن قيل: إن المس من صفات الأجسام، فكيف قيل:(إن يمسسك الله) ؟ قلنا: الباء للتعدية، والمراد: إن أمسك الله ضرا، أي جعل الضر يمسك، فالفعل للضر، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى. )) (110)
فحمل الطبرسي الباء على التعدية، وهي القائمة مقام الهمزة في إيصال معنى الفعل اللازم إلى المفعول به (111) ، نحو قوله تعالى: (لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ / البقرة: من الآية 20) ، قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ / البقرة: من الآية 17) ، لكن الفعل (يمسسك) متعد، والتعدية بالباء في الفعل المتعدي قليلة (112) ، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض/ الحج: من الآية 40) ، وقول العرب: (صككت أحد الحجرين بالآخر) (113) ، واختار أبو حيان (114) قول الطبرسي، وذهب القرطبي إلى أن (المس) في النص القرآني مجاز وتوسع (115) .
تنزيه الأنبياء (عليهم السلام) من الأخطاء والذنوب، موضوع عقائدي خطير، شغل ذهن علماء الإسلام، وكان مثارا للنقاش الطويل بينهم، فتحدثوا عن هذا الموضوع في كتبهم الإسلامية والتفسيرية وبعض آثارهم الفلسفية من الجانب العقلي والنقلي، وتحدثوا عن إثبات العصمة أو نفيها قبل النبوة أو بعدها في تبليغ الأحكام أو في كل الشؤون (116)
وكان السبب في اختلاف المذاهب الإسلامية في عصمتهم (عليهم السلام) ورود عدد من نصوص القرآن ظاهرها يوهم بصدور الذنب منهم (عليهم السلام) ، فتشبث عدد من المذاهب الإسلامية بها لإنكار عصمتهم (عليهم السلام) ، والإصرار على صدور الذنب منهم شأنهم شأن الناس الآخرين.
وقد ذهب أغلب المسلمين إلى أن الأنبياء (عليهم السلام) لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب، كبيرا كان الذنب أو صغيرا، لا قبل النبوة ولا بعدها (117)
لذا انبرى عدد من المفسرين والنحويين إلى توجيه عدد من النصوص التي يوهم ظاهرها بصدور الذنب منهم (عليهم السلام) ، ويمكن أن نلاحظ ذلك في قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ / الأعراف:190) .
فظاهر الآية الكريمة يقتضي صدور الذنب من آدم (عليه السلام) ؛ لأنه لم يتقدم من يجوز عود الضمير عليه في (جعلا) إلا آدم وحواء (عليهما السلام) اللذين كُنِّيَ عنهما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا / الأعراف: من الآية 189) ، مما اضطرهم إلى عدم حمل النص على ما يقتضيه ظاهر اللفظ من وقوع الشرك من آدم وحواء (عليهما السلام) ؛ (( لأن البراهين الساطعة التي لا يصح فيها الاحتمال، ولا يتطرق إليها المجاز والاتساع، قد دلت على عصمة الأنبياء(عليهم السلام) ، فلا يجوز عليهم الشرك والمعاصي وطاعة الشيطان )) (118) ، وتنزيها لآدم (عليه السلام) من الشرك، تم توجيه النص القرآني بأقوال عدة:
أولا: أن يكون الضمير في قوله (جعلا) راجعا إلى النسل الصالح، أي المعافى في الخلق والبدن لا في الدين، وإنما ثنى؛ لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى (119) ، وأراه قولا متكلفا.
ثانيا: أن يرجع الضمير في (جعلا) إلى النفس وزوجها من ولد آدم (عليه السلام) لا إلى آدم