وحواء (عليهما السلام) ، فيكون معنى قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) : خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، ولكل نفس زوجا، من جنسها كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون / الروم:21) ، وبهذا القول لا يكون لآدم وحواء (عليهما السلام) ذكر في النص القرآني، ويؤيده قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون َ/ الأعراف: من الآية 190) ، ولو كان متعلقا بهما لكان حق اللفظ أن يقال: عما يشركان أو عما أشركا.
وهو مذهب الزجاج، مشيرا إلى أن الآية الكريمة على هذا القول مثلٌ ضُرِبَ لمشركي العرب ليعرفوا كيف بدأ الخلق (120) .
واستحسنه: النحاس (121) ، والقرطبي (122) ، وأبو حيان (123) ، وابن كثير (124)
وأنكره الشوكاني ذاهبا إلى أن الضمير في (جعلا) عائد إلى آدم وحواء (عليهما السلام) ، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فهذا التقدير إنما هو لحواء (125)
ولا حجة للشوكاني في اعتراضه؛ لأن قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) ، يمكن أن يراد به: من نوعها، فلا يشترط كون الكناية لحواء (126)
وأراه قولا حسنا في توجيه النص القرآني بعيدا عن التكلف ,
ثالثا: أن يكون قوله: (هو الذي خلقكم) عاما لجميع الخلق، و (من نفس واحدة) يعني: آدم (عليه السلام) ، وقوله: (وجعل منها زوجها) أي حواء، ثم انقضى حديث آدم وحواء وخص بالذكر المشركين من أولادهما، ويكون هذا القول من باب ذكر العموم ثم يخص بعضهم بالذكر، ومثله كثير في الكلام، ونظيره قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة / يونس: من الآية 22) ، فخاطب الجماعة بالتسيير، ثم خص راكب البحر بالذكر (127)
وأنكره الفخر الرازي؛ لما يؤدي من تفكيك في النظم (128) ، ووافقه الطباطبائي على اعتراضه مشيرا إلى أن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة) (( محفوف بقرينة قطعية على المراد، وتزيل اللبس، بخلاف التدرج من الخصوص إلى العموم في هذه الآية، فإنه موقع في اللبس لا يصار إليه في الكلام البليغ اللهم إلا أن يجعل قوله:(فتعالى الله عما يشركون) إلى آخر الآية قرينة على ذلك )) (129)
رابعا: أن تحمل الآية الكريمة على حذف مضاف، فيكون التقدير: وجعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا مثل قوله تعالى: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ / البقرة:51) ، (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ / البقرة:72) ، والتقدير: وإذ قتل أسلافكم نفسا، واتخذ أسلافكم عجلا.
وعلى هذا القول تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء (عليهما السلام) ، ويقويه قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون) . وأجاز هذا القول الزمخشري (130) ، والبيضاوي (131)
وأنكره الرازي ذاهبا إلى أن الكنايات المتوالية عقيب مذكور واحد إذا صرف بعضها إلى ذلك المذكور وبعضها إلى شيء آخر، لأدى ذلك إلى تفكيك النظم (132) ، فضلا عن أن هذا المحذوف لا دليل عليه (133)
خامسا: حمل النص على ظاهره، فيكون الضمير في (جعلا) عائدا إلى آدم وحواء (عليهما السلام) ، وأنهما جعلا لله تعالى شريكا في التسمية دون العبادة، وذهب الطبرسي إلى إنكار هذا القول (134)
وأجازه من النحويين: الفراء (135) وابن قتيبة (136) ، والزجاج (137) ، ومن المفسرين: الطبري (138) ، والواحدي (139) ، والبغوي (140) ، والشوكاني (141)
واستدلوا على صحته بروايات (142) موضوعة مدسوسة من أهل الكتاب (143) ، وقد صح الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم) (144) . وأشار هؤلاء إلى أن تسمية الولد بـ (عبد الحارث) لا تفيد كونه عبدا للحارث، فإن الأعلام قائمة مقام الإشارة فقط، ولا يلزم منه الكفر والفسق.
وأنكر هذا القول العديد من المفسرين (145) ؛ لأن الآية الكريمة تقتضي أنهم أشركوا الأصنام، لقوله تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون / الأعراف:191) ، ولفظة (ما) تستعمل لغير العاقل فدل ذلك على أنهم أشركوا الأصنام مع الله تعالى لا ما ذكروه من إشراك إبليس في التسمية فقط، فضلا عن أن هذه الروايات ذكرت أن آدم وحواء (عليهما السلام) أشركا إبليس اللعين فيما ولد لهما بأن سمياه عبد الحارث، وليس في ظاهر الآية ذكر لإبليس (146)
سادسا: اختار الزمخشري أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهم آل قصي، مستدلا على ذلك بقول الشاعر في قصة أم معبد (147) :
فيا لقصي ما روى الله عنكم ... به من فخار لا يبارى وسؤدد
فيكون المراد: هو الذي خلقكم من نفس قصي، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بـ (عبد