أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا
ومن النصوص الأخر في هذا الباب قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُون َ/ الأنعام:124) .
فمعلوم أن (حيث) ظرف مكان، لكن حملها على الظرفية في النص القرآني يؤدي إلى إشكال عقائدي، وهو تحديد علم الله تعالى في ذلك المكان دون غيره - تنزه الله تعالى عن ذلك -.
وقد تنبه المفسرون والنحويون إلى هذا الأمر، فذهبوا إلى توجيه النص ليتفق والعقيدة الإسلامية، يقول الطبرسي: (( لا يخلو(حيث) هنا من أن يكون ظرفا متضمنا لحرفه، أو غير متضمن، وإن كان ظرفا فلا يجوز أن يعمل فيه (أعلم) ؛ لأنه يصيّر المعنى: أعلم في هذا الموضع أو في هذا الوقت، ولا يوصف تعالى بأنه أعلم في مواضع أو في أوقات ... وإذا كان الأمر كذلك لم يجز أن يكون (حيث) هنا ظرفا، وإذا لم يكن ظرفا كان اسما، وكان انتصابه انتصاب المفعول به على الاتساع، ويقوي ذلك دخول الجار عليه، فكان الأصل: الله أعلم بمواضع رسالاته، ثم حذف الجار، كما قال سبحانه: (أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه / النحل: من الآية 125) وفي موضع آخر: (أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ / الأنعام: من الآية 117) ، فـ (من يضل) معمول فعل مضمر دل عليه (أعلم ) )) (87)
فتحديد علم الله تعالى في مواضع دون أخر، كان سببا عقائديا مانعا من حمل النص على الظاهر عند الطبرسي وغيره من المفسرين، ولتوجيه النص عقائديا فضلا عن مراعاة الإعراب، أخرج الطبرسي (حيث) من الظرفية ناصبا إياها على المفعولية اتساعا، ولأن (أفعل التفضيل) لا تنصب المفعول به، قدر فعلا عاملا فيه حفاظا على القاعدة النحوية. واستدل الطبرسي على صحة مذهبه بشواهد شعرية عدة، منها (88) :
كأن منها حيث تلوي المنطقا ... حقفا نقا مالا على حقفي نقا (89)
فـ (حيث) هنا في موضع نصب بـ (كأن) ، و (حقفا نقا) مرفوع بأنه خبر.
وكذلك بقول الآخر يصف شيخا يقتل القمل (90) :
يهز الهرانع عقده عند الخصى ... بأذل حيث يكون من يتذلل (91
ومن ذلك أيضا قول الفرزدق (92:
فمحن به عذبا رضابا غروبه ... رقاق وأعلى حيث ركبن أعجف (93
وهذا القول الذي اختاره الطبرسي بكون (حيث) اسما لا ظرفا في النص القرآني، سبقه إليه أبو علي الفارسي، الذي يرى أن الجملة بعد (حيث) صفة لا مضاف إليه؛ لأن (حيث) يضاف ظرفا وليس اسما (94) .
وأجاز الرضي إضافة (حيث) مع كونها اسما إلى الجملة بعدها، كما في ظروف الزمان، مستدلا على ذلك بقوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ المرسلات:35) ، وقوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ / المائدة: من الآية 119) وقوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه / الأنعام: من الآية 124) (95) .
وإلى قول أبي علي الفارسي ذهب العكبري مانعا كون (حيث) ظرفا في الآية الكريمة؛ لأن المعنى ليس عليه (96) .
واختاره أيضا القرطبي (97) ، والنسفي (98) ، واستدل ابن هشام عليه بأن الله تعالى يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة فيه لا أن يعلم في ذلك المكان، والعامل في (حيث) فعل مضمر مقدر؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا (99) .
وأنكر أبو حيان قول أبي علي الفارسي؛ لتجريده (حيث) عن الظرفية، واستند في ذلك على قواعد النحويين، فهم (( نصّوا على أن(حيث) من الظروف التي لا تتصرف، وشذ إضافة (لدى) إليها وجرها بالياء،، ونصوا على أن الظرف الذي يتوسع فيه لا يكون إلا متصرفا، وإذا كان الأمر كذلك امتنع نصب (حيث) على المفعول به لا على السعة ولا على غيرها، والذي يظهر لي إقرار (حيث) على الظرفية المجازية، على تضمن (أعلم) معنى ما يتعدى إلى الظرف، فيكون التقدير: الله أنفذ علما حيث يجعل رسالاته، أي هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته، والظرفية هنا مجاز كما قلنا. )) (100) .
ورد الآلوسي اعتراض أبي حيان؛ لأن (حيث) خرجت عن الظرفية بناء على تصرفها (101)
وذهب آخرون إلى أن المراد بـ (حيث) أن الله تعالى يعلم الفضل الذي هو محل الرسالة، وبهذا القول تبقى (حيث) على ظرفيتها، ويكون المعنى: أن الله تعالى لن يؤتيكم مثل ما آتى رسله من الآيات، لأنه يعلم ما فيهم من الذكاء، والطهارة، والفضل، والصلاحية للإرسال، ولستم كذلك (102)
أما أظهر الأقوال في توجيه النص القرآني فما اختاره عدد من النحويين، بأن (حيث) مفعول به لقوله (أعلم) لا لفعل مقدر، لتجرده عن معنى التفضيل (103)
ومن النصوص الأخر التي وجهها النحويون والمفسرون مراعاة للعقيدة قوله تعالى: (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُون َ / الشعراء:15) .