وأراه بعيدا عن الصواب؛ لما ينسبه إلى الله تعالى من قبيح الأمور، لأن الله تعالى لو أمر بالفسق وعاقب عليه لكان ذلك ظلما منه - تنزه الله عن ذلك -، فهو القائل: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ / النحل: من الآية 118) ، و (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ / الأعراف: من الآية 28) ، و (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ / غافر: من الآية 31) ، وغيرها من الدلائل التي ترد قول القرطبي.
ومن النصوص الأخر التي وُجِّهَت نحويا مراعاة للعقيدة قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ / الأنعام:117) .
فقد اختلف أهل العربية في موضع (من) من الناحية الإعرابية، فضلا عن وجود إشكال عقائدي يترتب عليه أوضحه الطبرسي بقوله، (( ولا يجوز أن يكون(من) في موضع جر بإضافة (أعلم) إليه؛ لأن أفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، وجل ربنا وتقدس عن أن يكون بعض الضالين ولا بعض المضلين )) (50) .
ولتوجيه النص نحويا ليتفق والعقائد الإسلامية تعددت أقوال المفسرين والنحويين، ومنها:
أولا: أن يكون موضع (من) نصبا على حذف الباء، حتى يكون مقابلا لقوله: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) ، ونسب هذا القول إلى عدد من نحويي البصرة (51) ، وأجازه الطوسي (52) ، والبغوي (53) ،واستحسنه القرطبي لمطابقته قوله تعالى: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، وجعله نظير قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ / النحل: من الآية 125) (54) .
ثانيا: أن يكون (من) مبتدأ، ولفظه لفظ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله، وهو مثل قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا / الكهف:12) ، فيكون (من) مبتدأ، وخبره جملة (يضل) ، وهو مذهب الكسائي (55) ، والفراء (56) ، والمبرد (57) ، ونسب إلى الزجاج (58) ، واختاره أيضا: النحاس (59) ، ومكي بن أبي طالب (60) ، واستحسنه من المفسرين: الطبري (61) ، وابن الجوزي (62) ، والرازي (63.)
ولكون هؤلاء لم يذكروا العامل في الجملة المتكونة من المبتدأ والخبر، ذهب أبو حيان إلى أن العامل عندهم (أفعل التفضيل) ، ثم أنكره عليهم؛ (( لأن التعليق فرع عن جواز العمل، وأفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به، فلا يعلق عنه ) ) (64)
وأجاز العكبري قول الفراء، والزجاج، لكن موضع الجملة عنده نصب بـ (يعلم) المقدر لا بـ (أعلم) ؛ لأن (أفعل) لا يعمل في الاسم الظاهر النصب (65) .
وتابعه في هذا القول: البيضاوي (66) ، والنسفي (67) ، وأبو السعود (68) ، والآلوسي (69) .
ثالثا: أن يكون موضع (من) النصب بفعل مضمر يدل عليه قوله (أعلم) ، فكأنه قال: إن ربك هو أعلم يعلم من يضل عن سبيله، ونُسِب هذا القول إلى أبي علي الفارسي (70) .
وبهذا القول تكون (من) بمعنى (الذي) ، أو موصوفة بمعنى (فريق) ، وإنما احتيج إلى هذا التقدير في النص القرآني؛ لأن (أفعل) لا يعمل النصب في الاسم الظاهر (71) ، لكونه بعيدا عن مضارعة الفعل، والمعاني لا تعمل في المفعولات كما تعمل في الظروف (72) . واستدل الرضي على صحة هذا المذهب بقول الشاعر (73) :
أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا (74)
فقد انتصب (القوانسا) بفعل مقدر لا باسم التفضيل (أضرب) (75)
وأجازه أيضا أبو السعود (76) ، والآلوسي (77) .
رابعا: زعم قوم (78) أن (أعلم) هاهنا بمعنى (يعلم) ، كما قال حاتم الطائي (79) :
فهذا التوجيه وإن كان جائزا في كلام العرب فليس قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ / الأنعام:117) منه؛ لأنه عطف عليه بقوله: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، فأبان بدخول الباء في (المهتدين) أن (أعلم) ليس بمعنى (يعلم) ؛ لأن ذلك إذا كان بمعنى (يفعل) لم يوصل بالباء، كما لا يقال: هو يعلم بزيد، بمعنى: يعلم زيدا (80)
واستحسن الرازي أن يكون (أعلم) بمعنى (يعلم) في النص القرآني مشيرا إلى أن حصول التفاوت في علم الله تعالى محال (( إلا أن المقصود في هذا اللفظ: أن العناية بإظهار هداية المهتدين فوق العناية بإظهار ضلال الضالين، ونظيره قوله تعالى:(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا / الإسراء: من الآية 7) ، فذكر الإحسان مرتين، والإساءة مرة واحدة. )) (81)
خامسا: نُقِل عن بعض نحويي البصرة، أن (من) في موضع خفض بنية الباء، فيكون التقدير: إن ربك هو أعلم بمن يضل (82)
فأصحاب هذا القول يجوزون عمل الحرف مع سقوطه من اللفظ، واعترض عليه؛ لأنه غير معلوم في كلام العرب اسم مخفوض من غير خافض ليكون هذا نظيرا له (83) ، وإن وجد في الشعر فهو من ضروراته (84) ، ولا يحمل القرآن الكريم على الضرورة.
وأرى أن أظهر الأقوال في توجيه النص القرآني ما اختاره عدد من نحويي الكوفة من جواز عمل (أفعل التفضيل) في المفعول به (85) ، وقياسا على مذهبهم يحمل النص على الظاهر ويكون (من) مفعولا به لـ (أعلم) ، ويؤيده أيضا قول الشاعر (86) :