إلى الواقع ويُقرأ القرآن يتضح أمام القارئ أن هؤلاء الذين صوروا الإسلام بهذه الصورة لم يصيبوا لتصويرهم لمعرفة كنه الإسلام، فليس الإسلام ضعيفا، أو منعزلًا ولا منطويًا على نفسه، كما يزعم الأقلون الذين لا اهتمام لهم بالمناهج العلمية، لأن الدعوة إلى الحق ركن حقيقي بل أصيل من أركان الإسلام. والحيوية في هذه الدعوة واجبة بل فريضة مستمرة في سائر الأزمة والأمكنة. أمر الله نبيه بتبليغ كلامه، وبذل جهده في هذا التبليغ دليل واضح على منهج الإسلام في الدعوة. يقول الله: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52] ، أي بالقرآن. يقول الطبري في تفسيره:"فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من أن تعبد آلهتهم، فنذيقك ضعف الحياة وضعف الممات، ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادًا كبيرًا، حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله، ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعا وكرها" [1] .
وفي نفس الوقت القرآن يحرض المؤمنين على هذه الدعوة، فيقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33] . وهي دعوة بالقول والعمل يقول سيد قطب:"كلمة الدعوة حينئذ هي أحسن كلمة تقال في الأرض، وتصعد في مقدمة الكلم الطيب إلى السماء. ولكن مع العمل الصالح الذي يصدق الكلمة ومع الاستسلام لله الذي تتوارى معه الذات. فتصبح الدعوة"
(1) الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج 19، ص 281.