الصفحة 9 من 31

والفرق بين الكلمة والصوت يمكن إن يرتدّ، في جوهره، إلى انتماء كل منهما إلى بنية نسقية مختلفة؛ فالكلمة وحدة صغرى في بنية المدلول (نسق المعنى) ، وهو نسق يتألف من وحدة كبرى هي النص، ثم الجملة، ثم الكلمة. أما الصوت فينتمي إلى بنية الدال (نسق التركيب) ، وفيه وحدات: الحركة والصوت والمقطع والوزن. وهي وحدات ليست دالة بذاتها، وإنما تكتسب معناها من تراصفها أو تركيبها على نحو مخصوص.

ولعل صعوبة القول بدلالة الصوت، في ذاته، مفردًا على معنًى مقبولٍ في تواضع أي جماعة لغوية تبدو واضحةً في اختلاف دلالاته تبعًا للتركيب (السياق اللغوي) الذي ينتمي إليه؛ فدلالة الاستعلاء مع الرِّفْعَة، الظاهرة في صوت العين المفتوحة الموجودة في أول حرف الجر (عَلى) ، مختلفة عن دلالتها في صوت العين المضمومة في عينية أبي ذؤيب الهذلي، في رثائه أبناءه الخمسة: [1]

أمِنَ المنونِ و ريبِها تتوجع ... والدهر ليس بِمُعْتِبٍ من يجزعُ

قالت أميمة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتُذِلتَ ومثل مالك ينفعُ

أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا ... إلا أقضَّ عليك ذاك المضجعُ

فأجبتها أن ما لِجسمِيَ أنه ... أودى بَنِيَّ من البلاد فودّعوا

أودى بَنِيَّ و أعقبوني غُصّةً ... بعد الرُقاد وعبرةً لا تُقلِعُ

سبقوا هوَيَّ و أعنَقوا لِهواهُمُ ... فتُخُرِّموا و لكل جَنْبٍ مَصرَعُ

ولقد حرصت بأن أدافع عنهمُ ... فإذا المنية أقبلت لا تُدفعُ

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ

(1) ديوان الهذليين، الهذليون، سلسلة المكتبة العربية، تصدرها: الثقافة والإرشاد القومي، الجمهورية العربية المتحدة، 1965 م، القسم الأول، ص 1 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت