بهما تبين أن الأعرابي محق، وأن الآية لا تنتهي كما قرأ القارئ، بل تنتهي بقوله تعالى (فاعلموا أن الله عزيز حكيم) ، فظهر أن الأعرابي قد أدرك بفطرته عدم انسجام القراءة الأولى مع دلالة الآية، فالآية تقول: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) [1] ، وقول القارئ: (فاعلموا أن الله غفور رحيم) يشوش على الدلالة المرادة من الآية؛ ذلك أن"الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه" [2] . فدراسة اختيار النص لـ (العزيز الحكيم) دون (الغفور الرحيم) هي دراسة تتعلق بمحور الاختيار لا بمحور التوزيع.
أما محور التوزيع فمثاله البحث في تقديم (اللطيف) على (الخبير) في قوله تعالى:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" [3] . وقد علل السيوطي ذلك بقوله:"إن اللطف يناسب ما لا يُدرك بالبصر، والخبر يناسب ما يدركه" [4] . ومثل ذلك البحث في علة تقديم (العليم) على (الحكيم) في قوله تعالى:"إنك أنت العليم الحكيم" [5] . أو علة تقديم (إياك نعبد) على (إياك نستعين) في سورة الفاتحة [6] . والأمثلة كثيرة لا حصر لها، لتعلقها بالخيارات التركيبية للقرآن الكريم كله.
(1) البقرة، 209.
(2) الإتقان في علوم القرآن، 3/ 303.
(3) المؤمنون، 12.
(4) الإتقان في علوم القرآن، 302.
(5) البقرة (32) .
(6) إشارة إلى قوله تعالى في الآية الخامسة من سورة الفاتحة: (إياك نعبد وإياك نستعين) .