على الفاصلة فحسب؛ لتعلقها بتلك الخاصية التي أشرنا إليها. والتمكين هو"أن يمهِّد الناثر للقرينة، أو الشاعر للقافية تمهيدًا تأتي به القافية، أو القرينة، متمكِّنةً في مكانها، مستقرةً في قرارها، مطمئنةً في موضعها، غير نافرةٍ ولا قلقة، متعلقًا معناها بمعنى الكلام كله تعلقًا تامًا، بحيث لو طرحت لاختل المعنى واضطرب الفهم" [1] . وهذا هو عينه ما تدرسه المدارس النقدية اللسانية، ولاسيما مبحث الانزياح في الأسلوبية، تحت مسمى محور الاختيار (وقد يسمى الانزياح الاستبدالي) ، ومحور التوزيع (وقد يسمى الانزياح التركيبي) ، فاختيار النص لصوتٍ بعينه، أو لمفردةٍ بعينها، أو لتركيبٍ أسلوبيٍّ بعينه، مع وجود خيارات أخرى بديلة أهملها النص، يدل على تحيُّزه لمعنًى بذاته تؤديه اختياراته التي اختارها، ولا تؤديه البدائل التي ضرب عنها صفحًا، وهذا ما يُدرس ضمن محور الاختيار. أما على صعيد محور التوزيع، فلا يتعلق الاهتمام بدراسة ما حضر من اختيارات النص (على صعيد الصوت، أو الكلمة، أو التركيب) مع ما غاب عنها، بل يتعلق بالمواقع التي اختارها النص لتلك الاختيارات [2] .
فاعتراض الأعرابي الذي لم يكن يقرأ القرآن _ في الحادثة المشهورة _ على القارئ الذي قرأ آيةً من سورة البقرة بفاصلةٍ تنتهي بقوله (فاعلموا أن الله غفور رحيم) كان اعتراضًا يتعلق باختيار القارئ لكلمتي (غفور رحيم) في الفاصلة، وهما في رأيه لا يصح أن يكونا من كلام الله في هذا الموضع؛ إذ غيرهما أولى أن يكون في فاصلة الآية، وعندما احتكم الرجلان إلى حافظ للقرآن الكريم مرّ
(1) الإتقان في علوم القرآن، 3/ 302. وانظر: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، أحمد مطلوب مكتبة لبنان_ناشرون، بيروت، 1996 م،: (التمكين، ص 417) و (ائتلاف القافية، ص 12 - 13) .
(2) عن محوري الاختيار والتوزيع ينظر: الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبية، أحمد محمد ويس، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص 111 - 128، وعياد، اللغة والإبداع، ص 68 - 78.