الصفحة 10 من 31

فالعين بعدهم كأن حِداقها ... سُمِلَت بِشَوكٍ فهي عُورٌ تدمعُ

فصوت العين المضمومة يأتي في أواخر الأبيات كرجع الصدى، فيوحي بالبكاء وقد أصبح عويلًا (بِمدّ الضمة لتصبح حركةً طويلةً عوووو) ، وكأننا بصوت أبي ذؤيب، وقد ثُكل بأبنائه، كصوت الذئب الجريح الذي يملأ فراغ الليل بنحيبه العميق الموجع الذي تحولت فيه الهاء الخفيفة، في الآهة، إلى عين ثقيلة ثقل المصاب الفادح.

ولا يكاد الأمر يختلف في القرآن الكريم؛ فالمد بالألف في كلمة (الرحمن) ، الواقعة في بداية سورة (الرحمن) ، فيه إعلان وإظهار وانتشار، يتناسب مع إطلاق الألف ممدودًا نحو السماء، وفيه من جهة الأداء انفتاح لفم المتكلم (القارئ) ، مع تصاعد صوتي، يبدأ مع الميم، يشبه انطلاقًا متسلسلًا نحو الفضاء. والذي أكد هذه الدلالة وأثارها موقعُ الكلمة من السورة، إذ جاءت في مبتداها، فبدت كأنها بيان أو إعلان كوني [1] ، ثم تأكد هذا الإعلان من جديد بترداد المد بالألف مع الفواصل التي أعقبت الآية {الرحمن _علم القرآن _ خلق الإنسان _ علمه البيان} إلى آخر السورة، من غير أن يظهر أيُّ مدٍّ هابط بالياء. وحتى عندما حضرت الياء فسبقت النون في إحدى فواصل السورة، وبدا

(1) سبق أن أشار سيد قطب إلى أن"رنة الإعلان تتجلى في بناء السورة كله، وفي إيقاع فواصلها، تتجلى في إطلاق الصوت إلى أعلى، وامتداد التصويت إلى بعيد، كما تتجلى في المطلع الموقظ الذي يستثير الترقب والانتظار لما سيأتي بعد المطلع من أخبار ... [فـ] السورة كلها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير، إعلان ينطلق من الملأ الأعلى، فتتجاوب به أرجاء الوجود، ويشهده كل من في الوجود، وكل ما في الوجود ... (الرحمن ) : بهذا الرنين الذي تتجاوب أصداؤه اللطيفة المديدة المدوّية في أرجاء هذا الكون، وفي جنبات هذا الوجود. (الرحمن ) : بهذا الإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد، يجلجل في طباق الوجود، ويخاطب كل موجود، ويتلفت على رنته كل كائن، وهو يملأ فضاء السماوات والأرض، ويبلغ إلى كل سمع وكل قلب"في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، 6/ 3445 _ 3446.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت