فاعلًا في نظام محدد، قيمة هذا العنصر تكمن في أدائه وظيفَتَه ضمن النظام، وفي مدى ملاءمته للعناصر الأخرى داخل النظام، لتؤدي هي الأخرى الوظائف المنوطة بها، فيكتمل بذلك النص، ويؤدي مبتغاه [1] . وقريب من هذا الذي ذهب إليه الجرجاني ما ادعته بعض المدارس النقدية الحديثة ذات الطابع اللساني اللغوي، كالبنيوية، وما تفرع عنها.
وتبدو نظرة الجرجاني تلك من أكثر النظرات وجاهةً في حق الصوت أيضًا؛ ذلك أنها إن صَحَّت في الكلمة، وهي وحدةٌ أعلى، أو أكبر، من الصوت ـ على اعتبار أنها الوحدة الثانية في سلم وحدات الكلام ـ فمن الأولى أن تصح مع الصوت، وهو وحدة الكلام الصغرى.
ومن جهة أخرى فإن الكلمة يمكن أن تكون ذات معنى، وإن كانت مفردةً خارج إطار أي نص، ومع ذلك فإننا لا ننظر إلى قيمتها إلا من خلال الدور الذي تؤديه في النص؛ فهي إذ تنتمي إلى نصٍّ ما تتحوّل كيفيًا، ولا تعود نفسها، لأن النص _ بالمعنى الذي أشرنا إليه _ يصبح (كُلًّا) يتصف بأنه ليس مجرد جمعٍ لصفات (الأجزاء-الوحدات) التي ساهمت في بنائه؛ فهذه (الأجزاء-الوحدات) نفسها قد أصبحت، من حيث الكيف، شيئًا جديدًا، غير ما كانت عليه خارج النص؛ بسبب خضوعها لعلاقات تتسق مع خصائص (الكل) . وعلى هذا الأساس قد يختلف معنى الكلمة، مفردةً، عن معناها داخل نص. فكيف سيكون الحال إذن مع الصوت، والقولُ بدلالته على معنىً مستقلٍ _ قبل أن يدخل في تركيب ما _ مقرونٌ بكثير من التعسّف!
(1) ينظر: دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلّق عليه محمود شاكر، مطبعة المدني _دار المدني، القاهرة-جدة، 1992، ص 44 - 45