فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 27

عقيدة أهل السنة والجماعة في"س"،"ج" (4)

هذا هو الطريق

تهذيب"ملة إبراهيم"

لأبي محمد عاصم المقدسي

إعداد الشيخ

محمد عبد الهادي المصري

حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ] المائدة: (67) [.

إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملًا، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حسابًا وهو يصدع بكلمة الحق .. هذا، وإلا فما بلغ وما أدى وما قام بواجب الرسالة .. والله يتولى حمايته وعصمته من الناس، ومن كان الله له عاصمًا فماذا يملك له العباد المهازيل!.

إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها يجب أن تبلَّغ كاملة فاصلة؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء؛ ولا تراعي مواقع الرغبات؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ ..

وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى .. وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة!.

(إن الله لا يهدي القوم الكافرين) .. وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة .. والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق!.

إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة، لا يعني الخشونة والفظاظة؛ فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق. فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة؛ وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول .. ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة، فكان مأمورًا أن يقول: (يا أيها الكافرون: لا أعبد ما تعبدون .. ) فيصفهم بصفتهم؛ ويفاصلهم في الأمر، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه، ولا يدهن فيدهنون، كما يودون! ولا يقول لهم: إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه، بل يقول لهم: إنهم على الباطل المحض، وإنه على الحق الكامل .. فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة ..

وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله؛ ولا يكون قد أقام الحجة لله على

الناس، إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة؛ ووصف لهم ما هم عليه كما هو في حقيقته، بلا

مجاملة ولا مداهنة .. فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شيء، وأن ما هم عليه باطل كله من أساسه، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تمامًا غير ما هم عليه .. يدعوهم إلى نقلة بعيدة، ورحلة طويلة، وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم وفي أخلاقهم .. فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه .. (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) ..

وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق، وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم .. حين يفعل صاحب الدعوة هذا -مراعاة للظروف والملابسات، وحذرًا من مواجهة واقع الناس الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم- فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم، لأنه لم يعرفهم حقيقة المطلوب منهم كله، وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه الله تبليغه!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت