فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 27

القضية الثانية: وهي البراءة من المشركين والكفر بهم وإظهار العداوة والبغضاء لهم هم أنفسهم.

بالطبع لا نقول إن إظهار مثل هذه البراءة والعداوة شاملة حتى للمؤلفة قلوبهم، أو من يظهرون التقبل ولا يظهرون العداوة لدين الله، وإن كان الواجب وجودها في القلب لكل مشرك، حتى يتطهر من شركه، ولكن الكلام على الإظهار والإعلان والمجاهرة والإبداء، فهؤلاء وحتى المتجبرين والظالمين يُدعون إلى طاعة الله بالحكمة والموعظة الحسنة ابتداء فإن استجابوا فهم إخواننا نحبهم بقدر طاعتهم ولهم ما لنا، وعليهم ما علينا. وإن أبوا مع وضوح الحجة واستكبروا وأصروا على ما هم عليه من الباطل والشرك ووقفوا في الصف المعادي لدين الله، فلا مجاملة معهم ولا مداهنة .. بل يجب إظهار وإبداء البراءة منهم عند ذلك .. وينبغي التفريق هنا بين الحرص على هداية المشركين والكفار وكسب أنصار للدين واللين في البلاغ والحكمة والموعظة الحسنة وبين قضية الحب والبغض والموالاة والمعاداة في دين الله، لأن كثيرًا من الناس يخلط في ذلك فتستشكل عليهم كثير من النصوص مثل:"اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"وما إلى ذلك.

وقد تبرأ إبراهيم من أقرب الناس إليه، لما تبين له أنه مصرّ على شركه وكفره، قال تعالى عنه: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] .. ذلك بعد أن دعاه بالحكمة والموعظة الحسنة، فتجده يخاطبه بقوله: {يا أبت إني قد جاءني من العلم} [مريم: 43] .. {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} [مريم: 45] .. وهكذا موسى مع فرعون .. بعد أن أرسله الله إليه وقال: {فقولا له قولًا ليّنا لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44] .. فقد بدأ معه بالقول اللين استجابة لأمر الله فقال: {هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى} وأراه الآيات والبينات .. فلما أظهر فرعون التكذيب والعناد والإصرار على الباطل، قال له موسى كما أخبر تعالى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني أظنك يا فرعون مثبورا} [الإسراء: 102] . بل ويدعو عليهم قائلًا: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] ، فالذين يدندنون على نصوص الرفق واللين والتيسير على إطلاقها ويحملونها على غير محملها، ويضعونها في غير موضعها، ينبغي لهم أن يقفوا عند هذه القضية طويلًا، ويتدبروها ويفهموها فهمًا جيدًا .. إن كانوا مخلصين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت