فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 27

الدعوة؟.

ها هنا شبهة يطرحها كثير من المتسرعين، وهي قولهم إن ملة إبراهيم هذه إنما هي مرحلة أخيرة من مراحل الدعوة، يسبقها البلاغ بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن، ولا يلجأ الداعية إلى ملة إبراهيم هذه من البراءة من أعداء الله ومعبوداتهم والكفر بها وإظهار العداوة والبغضاء لهم إلا بعد استنفاذ جميع أساليب اللين والحكمة .. فنقول وبالله التوفيق: إن هذا الإشكال إنما حصل بسبب عدم وضوح ملة إبراهيم لدى هؤلاء الناس، وبسبب الخلط بين طريقة الدعوة للكفار ابتداء وطريقتها مع المعاندين منهم .. وأيضًا الفرق بين ذلك كله وبين موقف المسلم من معبودات ومناهج وشرائع الكفار الباطلة نفسها .. فملة إبراهيم من حيث أنها إخلاص للعبادة لله وحده وكفر بكل معبود سواه لا يصح أن تؤخر أو تؤجل .. بل ينبغي أن لا يبدأ إلا بها، لأن ذلك هو تمامًا ما تحويه كلمة لا إله إلا الله من النفي والإثبات وهو أصل الدين وقطب الرحى في دعوة الأنبياء والمرسلين، ولأجل أن يزول عنك، كل إشكال فهاهنا قضيتان:

* الأولى: وهي البراءة من الطواغيت والآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والكفر بها، فهذه لا تؤخر ولا تؤجل .. بل ينبغي أن تظهر وتعلن منذ أول الطريق.

* الثانية: البراءة من الأقوام المشركين هم أنفسهم إن أصروا على باطلهم. وإليك التفصيل والبيان: -

القضية الأولى: وهي الكفر بالطواغيت التي تعبد من دون الله عز وجل، سواء أكانت هذه الطواغيت أصنامًا من حجر، أو شمسًا أو قمرًا، أو قبرًا أو شجرًا، أو تشريعات وقوانين من وضع البشر .. فملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين تستلزم إظهار الكفر بهذه المعبودات كلها وإبداء العداوة والبغضاء لها، وتسفيه قدرها والحط من قيمتها وشأنها وإظهار زيفها ونقائصها وعيوبها منذ أول الطريق. وهكذا كان حال الأنبياء حين كانوا يبدأون دعوتهم لأقوامهم بقولهم: {اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ، ومن هذا قول الله تعالى عن الحنيف إبراهيم عليه السلام: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75] .

وقوله في الأنعام: {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} [الأنعام: 78] ، وقوله: {إذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين} .. [الزخرف: 27] .

وكذا قوله سبحانه عن قوم إبراهيم: {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} [الأنبياء: 60] . قال المفسرون: {يذكرهم} أي يعيبهم ويستهزىء بهم ويتنقصهم. والكتاب والسنة يمتلئان بالأدلة على ذلك .. ويكفينا من ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وكيف كان يسفه آلهة قريش ويظهر البراءة منها والكفر بها حتى كانوا يلقبونه بالصابئ.

وإن شئت أن تتأكد من ذلك وتتيقنه فارجع وتدبر القرآن المكي، الذي ما كانت تتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم منه بضع آيات حتى تضرب بها أكباد المطي شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وتتناقلها الألسنة في الأسواق والمجالس والنوادي .. وكانت هذه الآيات تخاطب العرب بلغتهم العربية المفهومة .. بكل وضوح وجلاء تسفه آلهتهم وعلى رأسها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أعظم الآلهة عند القوم في ذلك الزمان، وتعلن البراءة منها وعدم الالتقاء معها أو الرضى بها وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليكتم شيئًا من ذلك .. إن هو إلا نذير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت