فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 27

إن التلطف في دعوة الناس إلى الله، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية؛ لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها .. إن الحقيقة يجب أن تبلغ إليهم كاملة أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة ..

وحينما كُلف الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان .. بل ليسوا على شيء أصلًا يرتكن عليه! حينما كُلف الرسول صلى الله عليه وسلم بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة، كان أهل الكتاب يتلون كتبهم؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية و النصرانية؛ وكانوا يقولون: إنهم مؤمنون .. ولكن التبليغ الذي كُلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواجههم به، لم يعترف لهم بشيء أصلًا مما كانوا يزعمون لأنفسهم، لأن"الدين"ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتبًا تقرأ وترتل؛ وليس صفة تورث وتدعى. إنما الدين منهج حياة. منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير، والعبادة الممثلة في الشعائر، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج .. ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه، فقد كُلف"الرسول"صلى الله عليه وسلم أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلا من هذا القبيل!

والذين يقولون: إنهم مسلمون -ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم- هم كأهل الكتاب

هؤلاء، ليسوا على شيء كذلك. فهذه كلمة الله عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي

حياتهم سواء. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة؛ ودعوتهم إلى"الإسلام"من جديد هي واجب

"المسلم"الذي أقام كتاب الله في نفسه وفي حياته. فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلامًا، ولا تحقق إيمانًا، ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين الله، في أي ملة، وفي أي زمان!.

وكان الله -سبحانه- يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة، وبهذه الكلمة الفاصلة، ستؤدي إلى أن تزيد كثيرًا منهم طغيانًا وكفرًا، وعنادًا ولجاجًا .. ولكن هذا لم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والضلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته -سبحانه- تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق .. فيهتدي من يهتدي عن بينة، ويضل من يضل عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

وكان الله -سبحانه- يرسم للداعية بهذه التوجيهات منهج الدعوة؛ ويطلعه على حكمة الله في هذا المنهج؛ ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون، إذا هاجتهم كلمة الحق فازدادوا طغيانًا وكفرًا؛ فهم يستحقون هذا المصير البائس؛ لأن قلوبهم لا تطيق كلمة الحق؛ ولا خير في أعماقها ولا صدق. فمن حكمة الله أن تواجه بكلمة الحق؛ ليظهر ما كمن فيها وما بطن؛ ولتجهر بالطغيان والكفر؛ ولتستحق جزاء الطغاة والكافرين!.

(في ظلال القرآن ص 937 - 939 بتصرف)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت