وهو إمام شيخ كبير أبو علي الجُبَّائي من أئمة أعمدة المعتزلة، يعني لا ينفع أن تذكر المعتزلة، بدون أن تذكر الجاحظ، بدون أن تذكر أبا هذيل العلاف، أو تذكر القاضي عبد الجبار، أو هذا الإمام أبا علي الجبائي؛ فهو كان مناظرًا خطيرًا جدًا. فكان هو الذي ربى أبا الحسن الأشعري، وظل معه سنوات طوالًا؛ لأنه ربيبه، وتربى في حجره، فهو أستاذه وشيخه، كان يصحبه إلى المسجد وإلى المناظرات، ويحضر مناظرات المعتزلة، مع الفرق الأخرى، وخاصةً هذا القرن كان في عصر بني بويه، وعصر بدع، والروافض وغيرهم، وكان فيه جدال كثير، مع كل الفرق في ذلك الوقت، فهو تربى ونشأ على مبادئ المعتزلة، وعلى طريقة المعتزلة، في الجدال والافتراضات، التي كانوا يفترضونها.
إذًا هو كان الطور الأول، في حياة أبي الحسن الأشعري، أنه كان معتزليًا، إذًا لم يتربَّ على طريقة أهل الحديث وأهل السنة؛ ولذلك لم يُعرف عنه أنه لازم أهل الحديث، ولا أهل السنة. مع أنهم متواجدين في ذلك الوقت أيضًا؛ في بغداد، وفي البصرة، وكانوا في الكوفة، وكانوا هذه هي حاضنة العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
فأبو علي الجبائي، سبب خروجه بعد ذلك، الخروج هو الطور الثاني؛ الطور الأول: أنه كان معتزليًا، ثم مرة كان محتارًا وكان جالسًا، وكان المعتزلة على طريقتهم يناقشون الناس هكذا، الحوارات التي في المسجد؛ فسأل رجلٌ أبا علي الجبائي سؤالًا-وسبحان الله إذا لم تلتزم بالسنة تضل وتضيع-، فقال له:"يا شيخ هل يجوز أن أصف الله بالعاقل؟"، فقال له أبو علي:"لا يجوز؛ لأن العقل من عقل البعير، لا تعقل البعير وتربطه وهكذا؛ فلا يجوز أن تنسب بصفة من الله، وتقول الله عاقل هكذا".
فهذا التلميذ موجود فأبو الحسن الأشعري جالس، فاعترض وقال:"يا إمام، إذًا معنى ذلك أنه لا يجوز أن تقول عن الله الحكيم؟ فالله سمى نفسه حكيمًا لماذا؟"، لاحظ سبب مشكلة البدع اللغة، لأنهم يستخدمون اللغة، ويبتعدون عن الأدلة الشرعية، فقال:"لأن الحكيم مأخوذة من الحكمة، والحكمة هذه التي هي للرجال، تحكم الفم، وفم الخيل أو البعير، فهذه الحكمة؛ إذًا لا يجوز أن يوصف الله بالحكيم بناء على ذلك، كما تقول بالعاقل؛ والله سمى نفسه (عزيزٌ حكيم) ، والله هو الحكيم، من أسماء الله الحسنى".
فاحتار الجبائي؛ يعني أُسقط في يده، كيف هذا؟ يعني يراها خطيرة، قال: وما تقوله ولماذا ترفض أنت أن يوصف الله بالعاقل؟ لماذا؟ لماذا توافق على وصفه بالحكيم؟ طالما أصل العقل من عقل البعير؟ كلمة عاقل عقل ربط؛ وطالما الحكمة: التي هي اللجام، الذي يلجم به الخيل، يعني العرب تأخذ كلماتها من هنا.