ووجه الدلالة من هذا الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم:"يمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء"؛ فإنه يدل على أن المرء قد يخرج من الإسلام ولا يتعلق منه بشيء وهو غير قاصد للخروج منه، وهذا ما قرره أهل العلم عند شرحهم لهذا الحديث.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في معرض حديثه عن اختلاف العلماء في مسألة الخوارج وتكفيرهم، ناقلًا عن الإمام الطبري في تهذيبه قوله:"وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب:"فيه الرد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلاّ بقصد الخروج منه عالما، فإنه مبطل لقوله في الحديث:"يقولون الحق ويقرأون القرآن ويمرقون من الإسلام، ولا يتعلقون منه بشيء"ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه .." [1] ."
ويقول الحافظ ابن حجر أيضًا:"وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام" [2] .
فالشاهد من ذلك الذي قد تقدم عن شراح الحديث قول الإمام الطبري:"فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من أهل الإسلام إلا بقصد الخروج منه"ومن كلام الحافظ قوله:"يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه"؛ فهذه النصوص تشهد لما سبق إيضاحه من عدم اشتراط القصد في قول الكفر أو فعله، وجه الدلالة من عموم الحديث الذي جعل العلماء يفسرونه كأصل مستقل غير مختص بمسألة معينة (وهي مسألة تكفير الخوارج) وهو أن المرء قد يخرج من الإسلام وهو غير قاصد للخروج منه أو معتقد أنه سيخرج منه، هذا هو الوجه العام في دلالة الحديث الذي ذكرناه، وهذا الوجه العام المتقدم هو الذي ذكره العلماء الأعلام: كابن هبيرة والطبري، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والذي هو موضع الاستشهاد في الدليل، فليتنبه القارئ لذلك.
(1) - فتح الباري (12/ 313) والشوكاني (7/ 168) وأقر كلام الطبري.
(2) - فتح الباري (12/ 315) .