فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 402

الدليل الثالث:

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب لسانا، ولا أجبن عند اللقاء -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني انظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) [التوبة: 65] ما يلتفت إليه وما يزيد عليه" [1] ."

وقد تكلم الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على"كتاب التوحيد"، قال رحمه الله ما نصه:

"يقول تعالى مخاطبًا لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ) [العنكبوت: 62] أي: سألت المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء: (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) أي: يعتذرون بأنهم لم يقصدوا الاستهزاء والتكذيب، إنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب: (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) لم يعبأ باعتذارهم، إما لأنهم كانوا كاذبين فيه، وإما لأن الاستهزاء على وجه الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورًا، وعلى التقديرين فهذا عذر باطل؛ فإنهم أخطأوا موقع الاستهزاء. وهل يجتمع الإيمان بالله وكتابه ورسوله والاستهزاء بذلك في قلب؟! بل ذلك عين الكفر، فلذلك كان الجواب مع ما قبله: (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ثم نقل عن ابن تيمية قوله:"وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم؛ لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه

(1) - تيسير العزيز الحميد (ص619 - 620) ط/ المكتب الإسلامي، والحديث مرفوع صحيح، رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والقصة ثابتة من عدة طرق عند ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر عن مجاهد وقتادة، وفي رواية جابر بن عبد الله عن ابن مردويه، وصحح الحديث الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في كتاب الصحيح المسند (ص71) قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، إلا هشام بن سعد، فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في الميزان وأخرجه الطبري من طريقه (10/ 172) ، وله شواهد بسند حسن عن ابن أبي حاتم في (4، 64) من حديث كعب، والحادثة ثابتة، يراجع ابن كثير (2/ 367) ط/ التراث من التفسير، وتيسير العزيز الحميد (ص619 - 621) وابن هشام في السيرة (4/ 1402 - 1403) وفتح المجيد (ص445) ، والصارم المسلول (ص517/ 524/ 528) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت