الصحيح أنه لابد من إقراره بالشهادتين ثانية وذلك لأن الردة بترك الصلاة قد أبطلت كل أعماله بما فيها الشهادتان لعوم الآية (لئن أشركت ليحبطن عملك) وفي الحديث (فقد حبط عمله) ، فيلزمه أن يأتي بالشهادتين، وكذلك إن كان جاحدا لوجوب الصلاة فلا يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين، لأنه جاحد فلا بد أن يأتي بأصل كلمة الإقرار التي تتضمن التصديق والقبول للحكم الشرعي، وهذا عام في كل صور الردة.
قال الماوردي رحمه الله: فأما توبة المرتد فتتضمن ما يصير به الكافر مسلما لأن الردة قد رفعت عنه حكم الإسلام فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال الشافعي: ويبرأ من كل دين خالف الإسلام، فذكر مع الشهادتين البراءة من كل دين خالف الإسلام، أما الشهادتان فواجبتان لا يصح إسلامه إلا بهما، وأما التبرؤ فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه شرط في إسلام كل كافر ومرتد كالشهادتين.
الوجه الثاني: أنه استحباب في إسلام كل كافر ومرتد كالاعتراف بالبعث والجزاء.
الثالث: وقد أفصح به الشافعي في كتاب الأم أنه إن كان من عبدة الأوثان ومنكري النبوات كان التبرئ من كل دين خالف الإسلام مستحبا، وإن كان من أهل كتاب يعترفون بالنبوات وأن محمدا نبي مبعوث إلى قومه كان التبري واجبا لا يصح إسلامه إلا بذكره، فإذا ثبت ما ذكرناه في توبة المرتد نظر في ردته:
فإن كانت بجحود الإسلام صحت توبته بما ذكرناه من الشروط، وإن كانت بجحود عبادة من عباداته كالصلاة والصيام والزكاة والحج مع اعترافه بالشهادتين اعتبر في صحة توبته بعد شروط الإسلام الاعتراف بما جحده من الصلاة ة والصيام والزكاة، لأنه قد صار مرتدا مع اعترافه بالشهادتين فلم تزل عنه الردة بهما حتى يعترف بما صار به مرتدا بجحوده، ولا يجزيه الاقتصار على الاعتراف بما جحده عن إعادة الشهادتين، لأنه قد جرى عليه حكم الكفر بالردة فلزمه إعادة الشهادتين ليزول بهما حكم الكفر ولزمه الاعتراف بما جحده ليزول عنه حكم الردة، وهكذا لو صار مرتدا باستحلال الزنا واستباحة الخمر كان من صحة توبته الاعتراف بتحريم الزنا والخمر. اهـ [1]
وقال الشيرازي: وإن ارتد بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يرجع عما اعتقده ويعيد الشهادتين، لأنه كذَّب الله وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم بما اعتقده في خبره، فلا يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين. اهـ [2]
قال ابن ضويان رحمه الله: وتوبة المرتد وكل كافر إتيانه بالشهادتين لحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه
(1) حكم المرتد للماوردي/ 133ـ136، راجع فتح الباري ج12/ 279.
(2) المجموع شرح المهذب ج21/ 231، راجع المغني ج8/ 142، ط: عالم الكتب.