الصفحة 97 من 237

أو بالفعل، كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبًا لفساد ذلك الاعتقاد ومزيلًا لما فيه من المنفعة والصلاح.

إذ الاعتقادات الإيمانية تزكي النفوس وتصلحها، فمتى لم توجب زكاة النفس ولا صلاحها، فما ذاك إلا لأنها لم ترسخ في القلب ولم تصر صفة ونعتًا للنفس ولا صلاحًا، وإذا لم يكن علم الإيمان المفروض صفة لقلب الإنسان لازمة له لم ينفعه فإنه يكون بمنزلة حديث النفس وخواطر القلب، والنجاة لا تحصل إلا بيقين في القلب ولو أنه مثقال ذرة"اهـ [1] ."

سابعًا: الإيمان ظاهر وباطن، والمطلوب شرعًا هو الظاهر والباطن، وكلاهما إيمان، وكذلك الكفر ظاهر وباطن، والمحظور شرعًا هو الظاهر والباطن، وكلاهما كفر. فكما نسمي الظاهر إيمانًا ونحكم على صاحبه بالإيمان ظاهرًا وباطنًا، فكذلك نسمي الظاهر كفرًا ونحكم على صاحبه بالكفر ظاهرًا وباطنًا.

ولما كان الإنسان ليس له سلطان الاطلاع على بواطن الآخرين وسرائرهم -لأن هذا الجزء يختص به عالم الغيب والشهادة وحده جل وعلا- ولما كان الظاهر انعكاسًا للباطن وصورة مباشرة له، فقد جعل الله سبحانه وتعالى ظاهر الناس دليلًا على باطنهم بالنسبة لتعاملاتهم بعضهم مع بعض، فأعطى الإنسان الحق في الحكم على بواطن الآخرين بمقتضى ما يبدو له من ظواهرهم، فإن أظهروا الخير حكم لهم بالخير ظاهرًا وباطنًا، وإن أظهروا الشر حكم لهم بالشر ظاهرًا وباطنًا. ولم يجعل الله الحكم على الآخرين منوطًا بتتبع سرائرهم واكتشاف بواطنهم لأن هذا ليس في طاقة البشر ولا في سلطانهم.

يقول الشاطبي:"ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلًا على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرمًا حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه وسائر أحكام العاديات والتجريبيات، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًا، والأدلة على صحته كثيرة جدًا. وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمنين وكفر الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي وعدالة العدل وجرحة المجرح، وبذلك تنعقد العقود وترتبط المواثيق، إلى غير ذلك من الأمور، بل هو كلية التشريع وعمدة التكليف بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة"اهـ [2] .

(1) الصارم المسلول، ص369، 370.

(2) الموافقات، جـ1 ص233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت