الصفحة 96 من 237

سادسًا: أن الظاهر يرتبط أساسًا بعمل القلب من الإذعان والمحبة والخشية والتوقير أكثر مما يرتبط بقول القلب من علم ومعرفة وتصديق، فإن الرجل قد يكون عالمًا ومصدقًا ومعتقدًا للحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن خشية الله في قلبه والخوف منه ومحبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتوقيره والانقياد له لم تصل في قلبه إلى الدرجة التي تنجو به من ظلمات الكفر والشرك، أو أن يكون ما في قلبه من الحسد والكبر أو حب الشهوات أو المصلحة الدنيوية العاجلة أو الرئاسة أو غيرها قد غلب عليه -والعياذ بالله- فطمسه وجعل ما معه من التصديق وبعض عمل القلب لا قيمة له ولا نفع فيه.

فالمشركون مثلًا معهم بعض المحبة لله وبعض الطاعة وبعض الخوف، ولكن هذا لا ينفعهم شيئًا، فإن حبهم لأندادهم وطاعتهم لهم وخوفهم منهم يطغى على ما في قلوبهم من محبة الله وطاعته وخوفه، فلا يدخلون بذلك في دين الله بالرغم مما في قلوبهم من التصديق وبعض المحبة والطاعة والخوف لله.

فالمؤمنون يعبدون الله وحده لأن قلوبهم لله وحده، والمشركون يعبدون معه الأنداد لأن قلوبهم ليست خالصة له وحده، بل فيها من حب غيره وطاعته وتعظيمه وخوفه مثل ما فيها من حب الله وطاعته وتعظيمه وخوفه، بل وأكثر.

يقول ابن تيمية:"إن الردة قد تتجرد عن السب والشتم فلا تتضمنه ولا تستلزمه، كما تتجرد عن قتل المسلمين وأخذ أموالهم، إذ السب والشتم إفراط في العداوة، وإبلاغ في المحادّة مصدره شدة سفه الكافر وحرصه على فساد الدين وإضرار أهله، ولربما صدر عمن يعتقد النبوة والرسالة، لكن لم يأت بموجب هذا الاعتقاد من التوقير والانقياد، فصار بمنزلة إبليس حيث اعتقد ربوبية الله سبحانه بقوله (ربّ) وقد أيقن أن الله أمره بالسجود ثم لم يأت بموجب هذا الاعتقاد من الاستسلام والانقياد، بل استكبر وعاند معاندة معارض طاعن في حكمة الآمر."

ولا فرق بين من يعتقد أن الله ربه، وأن الله أمره بهذا الأمر، ثم يقول إنه لا يطيعه لأن أمره ليس بصواب ولا سداد، وبين من يعتقد أن محمدًا رسول الله وأنه صادق واجب الاتباع في خبره وأمره، ثم يسبّه أو يعيب أمره أو شيئًا من أحواله، أو ينتقصه انتقاصًا لا يجوز أن يستحقه رسول.

وذلك أن الإيمان قول وعمل، فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله سبحانه وتعالى، والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام -الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح- بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء، بالقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت