الفصل السابع
ارتباط الظاهر بالباطن
يلخص الإمام ابن رجب هذه القاعدة الأساسية عند أهل السنة والجماعة فيقول:
إن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله وصحبة ما يحبه الله وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقى الشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب ...
فإن أعمال الجوارح لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئًا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته وكراهة معصيته ...
وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب ...
ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت لها لله، فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنًا وظاهرًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح"اهـ [1] ."
والمقصود بيانه أن ظاهر المرء -عند أهل السنة- هو الوجه الآخر لقلبه وباطنه، وأنه انعكاس مباشر له لا يتخلف عنه ولا يغايره، وأنه من المحال والممتنع شرعًا وعقلًا أن يكون الباطن على حال بينما يكون الظاهر على حال آخر، ولكن إذا كان الباطن صالحًا كان الظاهر صالحًا بحسبه، وإذا كان الباطن فاسدًا كان الظاهر كذلك فاسدًا بحسبه [2] .
يقول ابن تيمية:"ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه"
(1) جامع العلوم والحكم، ص65، 66.
(2) سيأتي الحديث عن عارض الإكراه والنفاق.