الصفحة 84 من 237

ويؤكد ابن تيمية على أن هذه القاعدة تنسحب على كافة النصوص الشرعية التي تتناول ألفاظ المعصية والفسق والظلم وما إليها، فيقول شيخ الإسلام:

"وكذلك لفظ المعصية والفسوق والكفر، فإذا أطلقت المعصية لله ورسوله دخل فيها الكفر والفسوق، كقوله: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (الجن: 23) ... وقال فيمن يجوز في المواريث: (وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء: 14) فهنا قيد المعصية بتعدي حدوده فلم يذكرها مطلقة وقال: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طه: 121) فهي معصية خاصة."

ومن هذا الباب ظلم النفس، فإنه إذا أطلق تناول جميع الذنوب، فإنها ظلم العبد نفسه .. وأما لفظ الظلم المطلق فيدخل فيه الكفر وسائر الذنوب ... والمقصود هنا أن الظلم المطلق يتناول الكفر ولا يختص بالكفر، بل يتناول ما دونه أيضًا، وكل بحسبه، كلفظ الذنب والخطيئة والمعصية، فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان ... ومن هذا لفظ الصلاح والفساد، فإذا أطلق الصلاح تناول جميع الخير، وكذلك الفساد يتناول جميع الشر"اهـ [1] ."

ويقول صاحب معارج القبول:"ولا منافاة بين تسمية العمل فسقًا أو عامله فاسقًا، وبين تسميته مسلمًا وجريان أحكام المسلمين عليه، لأنه ليس كل فسق يكون كفرًا، ولا كل ما سمي كفرًا وظلمًا يكون مخرجًا من الملة، حتى ينظر إلى لوازمه وملزوماته، وذلك لأن كلا من الكفر والظلم والفسوق والنفاق جاءت في النصوص على قسمين:"

-أكبر يخرج من المله لمنافاته أصل الدين بالكلية.

-وأصغر يُنقص الإيمان وينافي كماله ولا يخرج صاحبه منه.

فكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق"اهـ [2] ."

وقد وردت بعض الأحاديث أوهم ظاهرها خلاف هذه القاعدة السابقة، منها أحاديث تسمي بعض المعاصي كفرًا وشركًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" [3] . وقوله:"من حلف بغير الله فقد أشرك" [4] .

(1) الإيمان، ص55 - 82.

(2) معارج القبول، جـ 2 ص343.

(3) متفق عليه.

(4) أحمد. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي. وقال الألباني صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت