الصفحة 83 من 237

وفي شرحه على صحيح البخاري يبين البدر العيني أن لفظ الكفر يدل على معنى عام يمكن صرفه في الاصطلاح الشرعي إلى معنى خاص يخرج بصاحبه عن الإسلام، أو إلى معنى خاص آخر لا يخرج بصاحبه عن الملة، والذي يفرق بين هذا وذاك هو بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن أخذ عنهم من أئمة الهدى.

يقول الإمام العيني:"والكفران مصدر كالكفر، والفرق بينهما أن الكفر في الدين والكفران في النعمة، وفي العباب: الكفر نقيض الإيمان، وقد كفر بالله كفرًا، والكفر أيضًا جحود النعمة، وهو ضد الشكر، وقد كفرها كفورًا وكفرانًا، وأصل الكفر التغطية، وقد كفرت الشيء أكفره -بالكسر- كفرًا- بالفتح- أي سترته، وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره، ومنه الكافر، لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله، ويقال للزارع: الكافر، لأنه يغطي البذر تحت التراب، ورماد مكفور: إذا سفت الريح التراب عليه حتى غطته ..."

وقوله -أي الإمام البخاري- وكفر دون كفر: أشار به إلى تفاوت الكفر في معناه، أي وكفر أقرب من كفر، كما يقال هذا دون ذلك، أي أقرب منه، والكفر المطلق هو الكفر بالله، وما دون ذلك يقرب منه"اهـ [1] ."

وفي حديث كفران العشير يقول العيني:"قوله: أيكفرن بالله؟ الهمزة للاستفهام، وهذا الاستفسار دليل على أن لفظ الكفر مجمل بين الكفر بالله والكفر الذي للعشير ونحوه [2] ..."

وفي الحديث دلالة على جواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق، وفيه التنبيه على أن المعاصي تنقص بالإيمان، ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار"اهـ [3] ."

ويقول ابن تيمية:"لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنًا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته"اهـ [4] .

(1) عمدة القاري، جـ 1 ص199 - 203.

(2) وهو استنتاج طيب فلاحظه!

(3) عمدة القاري، جـ1 ص199 - 203.

(4) اقتضاء الصراط المستقيم، ص70. وفي هذا بيان واضح من شيخ الإسلام أن للإيمان أصلًا وحقيقة لا ينجو المرء إلا بها. فمهما أتى من فروع الإيمان وشعبه فلا نجاة له إلا بهذا الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت