[الكاتب: حمد بن علي بن عتيق]
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ...
فالواجب على المؤمن رد ما تنازع فيه الناس إلى الله ورسوله وأن يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون الله إلهه ومعبوده، والرسول صلى الله عليه وسلم إمامه ومتبوعه، وأن يرغب في الحق ويلزمه ويعض عليه بالنواجذ، وإن أعرض عنه الأكثرون، ويحذر الباطل ويجتنبه، وإن رغب فيه الأكثرون، فمن عرف الحق واتبعه سعد، ومن اغتر بالكثير غوى وبعد.
ومن أعظم الواجبات على محبة الله ومحبة ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والباطنة، وكذلك محبة ما يحبه من الأشخاص، كالملائكة وصالحي بني آدم، وموالاتهم وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وبغض من فعل ذلك كائنا من كان.
فإذا رسخ هذا الأصل في قلب المؤمن لم يطمئن إلى عدو الله ولم يجالسه ولم يساكنه، ولأساءه النظر إليه.
فلما ضعف هذا الأصل من قلوب كثير من الناس واضمحل؛ صار حال كثير منهم مع أعداء الله كحاله مع أولياء الله، يلقى كلا منهم بوجه طلق، وصارت بلاد الحرب عنده كبلاد الإسلام، ولم يخش غضب الله الذي لا تطيق غضبه السماوات والأرض ولا الجبال الراسيات.
ولما عظمت فتنة الدنيا في صدور كثير من الناس وصارت أكبر هممهم ومبلغ علمهم حملهم ذلك على التماسها وطلبها ولو بوجه يسخط الله، فسافروا إلى أعداء الله في بلادهم وخالطوهم في أوطانهم، ولبس الشيطان عليهم أمر دينهم فنسوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم في مثل قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: من الآية 7] .
ونسوا ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه عند البيعة، فكان يأخذ البيعة على أحدهم؛ ألا ترى نارك نار المشركين، إلا أن تكون حربا لهم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى نارهما) ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله) .
وقد سئل بعض أبناء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله وعفا عنهم عن السفر إلى بلاد المشركين للتجارة؟
فأجابوا بما حاصله؛ أنه يحرم السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، إلا إذا كان المسلم قويا له منعة يقدر على إظهار دينه.
وإظهار الدين؛ تكفيرهم وعيب آلهتهم والطعن عليهم والبراءة منهم، والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلاة فقط إظهار الدين.
وقول القائل:"إنا نعتزلهم في الصلاة ولا نأكل ذبيحتهم"؛ حسن لكن لا يكفي في إظهار الدين وحده بل لابد مما ذكر.
وقول القائل:"إنهم لا ينكرون علينا"؛ قول فاسد، وإنكارنا على من يظن به الخير ممن يخالطهم يخاف عليه إن سلم من الردة ألا يسلم من الكبيرة الموبقة.
وأما من يظن موالاة الكفار، وموادتهم ويظن أنه يرى أنهم أهدى سبيلا من المؤمنين؛ فليس للكلام معه كبير النفع، والله يهدي من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم.
وقد ألزم الله المؤمنين أن يأخذوا ما آتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وينتهوا عما نهاهم عنه، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدا حذرهم عما حذرهم منه نبيهم صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنه أقسم ألا يظله سقف وهو قاطع رحم حذرا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع) ، فكيف بمن جالس كافرا وواكله وألان له الكلام؟!
ويذكر عن عيسى عليه السلام أنه قال: (تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالبعد عنهم واطلبوا رضا الله بسخطهم) ، فإذا كان هذا مع أهل المعاصي فكيف بالمشركين والكافرين والمنافقين؟!
قال الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113] .
قال أبو العالية: (أي؛ لا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام) .