الصفحة 3 من 7

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

من أحداث الإسلام البارزة حدث الهجرة النبوية المباركة، ذلك الحدث الذي غيَّر الله به حال المسلمين في الجيل الأول من الضعف إلى القوة ومن الشتات إلى الدولة ذات العزة والقوة والمنعة.

ولم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا اقتضته ظروفٌ معينة وأسبابٌ خاصة فحسب، بل هي سمةٌ بارزةٌ وخصيصةٌ تكاد أن تكون ملازمة لطريق الأنبياء في الدعوة إلى الله وإقامة منهجه عبر تاريخ البشرية الطويل، وهي صورة من صور المواجهة بين الأنبياء وخصومهم في المعركة الدائمة بين الحق والباطل، قال الله تعالى {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودُنَّ في ملتنا فأوحى إليهم ربُهم لنهلكنَّ الظالمين} .

وقد أُخرج نبي الله إبراهيم عليه السلام {قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليًا} .

وهاجر نبي الله موسى عليه السلام فارًا بدينه من طغيان فرعون وجبروته، قال الله تعالى {وجاء رجلٌ من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين} .

وقال تعالى في قصة نبي الله شعيب عليه السلام {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنَّك يا شعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودنَّ في ملتنا قال أو لو كنا كارهين} .

وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم كان أمر الهجرة عنده واضحًا منذ الأيام الأولى من البعثة، عندما قال له ورقة بن نوفل (ياليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يُخرجك قومك) ، قال: (أو مخرجي هم؟) ، قال: (نعم لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي) [رواه البخاري] ، وقال الله تعالى له {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ، وقال تعالى {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلًا} .

ثمار الهجرة:

فالهجرة في سبيل الله شأنها عظيم وأمرها كبير، فهي ثمرة من ثمرات الإيمان بالله عز وجل وتوحيده والخضوع لأمره، بل هي من أبرز تكاليف الولاء والبراء، الذي هو شرط لا يتحقق التوحيد بدونه.

والهجرة في أصل شرعيتها انتصارٌ للإيمان واستعلاء به وتخليص للنفس المؤمنة من أسر الطغيان وقيود الكفر، ذلك أن الإسلام دين العزة ودين القوة يأبى على معتنقيه أن يستذلوا للكفار، ويريد لهم أن يمتلئوا قوةً وعزةً وأن يكونوا متبوعين لا تابعين، ويريد الإسلام للمسلم أن يكون ذا سلطان ليس فوقه إلا سلطان الله تعالى، كما قال سبحانه {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} .

ومن ذلك منع الإسلام من الإقامة بين ظهراني غير المسلمين لما تُشعره الإقامة بينهم من الوحدة والضعف وقد تدعوه إلى الاستحسان ثمَّ المتابعة، ومن هنا كان وعيد الله تعالى في حق من لم يهاجر شديدًا، قال الله تعالى {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} ، وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم (أنا برئٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) ، قيل: (يا رسول الله ولم؟) ، قال: (لا تراءى نارهما ... الحديث) .

قال ابن حزم رحمه الله: (من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتدٌ له أحكام المرتد كلها، من وجوب القتل عليه متى قُدِرَ عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك) اهـ

وقال: (وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعان عليهم ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شئ عليه لأنه مضطر مكره) اهـ

وقال (وإن كان إنما يقيم هناك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرًا، ونسأل الله العافية) [مجلد 13 / المحلى] .

ولاتؤتي الهجرة ثمارها التي أرادها الله عز وجل من إعزاز للمسلم وانتصار لمنهجه إلاَّ إذا كانت وفق فهم الجيل الأول لدار الكفر ودار الإسلام، ذلك التقسيم الحق والتصنيف الفريد للعالَم والذي على ضوئه يعرف المسلم أين يعيش وإلى أين يهاجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت