الصفحة 2 من 7

وتوعد سبحانه بمسيس من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام، لأن الله افترض على عباده جهادهم والغلظة عليهم، كما قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: من الآية 73] ، وقال تعالى لما ذكر حال المنافقين: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] .

قال بعض المفسرين: أمر الله نبيه بالإعراض عن المنافقين وإغلاظ القول عليهم وألا يلقاهم بوجه طلق، بل يكون وجهه مكفهرا عابسا متغيرا من الغيظ والبغض.

فإذا كان هذا مع المنافقين الذين هم بين أظهر المسلمين ويصلون ويزكون ويصومون ويحجون ويجاهدون معهم، فكيف بمن سافر إلى أعداء الله في بلادهم وخالطهم في أوطانهم، واستأذن عليهم في بيوتهم، وأقام بين أظهرهم أياما وليالي، وبدأهم بالسلام وأكثر لهم التحية، وألان لهم الكلام، وليس له عذر إلا طلب العاجلة؟!

ولم يجعل الله الدنيا عذرا لمن اعتذر بها، قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] ، وقوله تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17 - 16] ، قال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] ، وقوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الاسراء: 18] ، وقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم} [المجادلة: من الآية 22] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عنه ربه تبارك وتعالى في الحديث الطويل الذي قال فيه: (ولا يحملنكم الشيطان باستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعة) .

ولما نهى الله سبحانه عباده المؤمنين عن حمل المشركين إلى بيته وعلم من خلقه الاعتذار بالحاجة، قال تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: من الآية 28] ، فلم يعذر الله بالفقر والحاجة إلى ما في أيديهم، وأخبر أنه هو الرزاق ذو القوة المتين.

والموجب لهذه النصيحة؛ الشفقة عليكم، مخافة أن توادوهم فتكونوا مثلهم، والكلام في هذا مع مؤمن عاقل يخاف مقام ربه ونهى نفسه عن هواها، وأما المنافق والمرتاب ومن يرد الله فتنته فالله له بالمرصاد، {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] .

والواجب على العاقل الناصح لنفسه؛ النظر في أمره والفكرة في ذنوبه ومجاهدة نفسه على التوبة النصوح والندم على ما فات، والعزيمة على أن لا يعود، والتبديل بالعمل الصالح، وتقديم محبة الله على جميع المحاب، وإيثار مرضاته على حظوظ النفوس، فإن كل شيء ضيعه ابن آدم ربما يكون له من عوض، فإن ضيع حظه من الله لم يكن له منه عوض، وقد خاب من كان حظه من الله دنيا يحتلب درهما، والخاسر من خسر دينه وإن أفاد.

نسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يأخذ بنواصينا إليه وأن يلزمنا كلمة التقوى وأن يجعلنا من أهلها.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت