الصفحة 44 من 106

ب وأما تهمتهم لنا ولمشايخنا وإخواننا بمفارقة الجماعة:

فنقول أولًا: إن أهل البدع والأهواء، وأخص منهم أهل الإرجاء، يتلاعبون بالأدلة الشرعية، النقلية والسمعية، ويلوون أعناق النصوص، فتارةً يعملون بالعام ويتناسون أنه مخصوص، وتارةً يستدلون بالمطلق ويغضون الطرف عن المقيد، وفي بعض الأحيان يأخذون بالمنسوخ ويتركون الناسخ، وفي أغلب أحيانهم يتبعون المتشابه ويتركون المحكم ورائهم ظهريًا! قال تعالى: (هو الذي أنزلَ عليكَ الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هنَ أُمُ الكتابِ وأُخرُ مُتشابهاتٌ فأما الذينَ في قُلوبهِم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنةِ وابتغاء تأويله) [آل عمران: 7]

فإن جاءهم فيه الدليل موافق ... لما للحاكم إليه ذهابُ

رضوه وإلا قيل هذا مؤول ... ويركب للتأويل فيه صعابُ

ومن الأدلة التي يطنطن ويدندن حولها مرجئة العصر في هذا الموضوع؛ حديث: (اسمعوا وأطيعوا وإن أُمرَ عليكم عبد حبشي) .

هذا الحديث بطرقه وألفاظه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه, وغيرهم. وهو حديث صحيح، كما أنهم - أي المرجئة - يحتجون بأحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى, ويستدلون بها على وجوب طاعة هؤلاء الحكام، وعلى حرمة الخروج عليهم!

ونحن لا نخالفهم في صحة تلك الأدلة، بل إن تلك الأدلة صحيحة في جملتها، لا نخالفهم فيها، ولكن نخالفهم - ويخالفهم علماء الإسلام قاطبة - في الدلالة لا في الدليل.

فالأدلة جميعها في الحاكم المسلم الذي يُحكم الكتاب والسنة، ولا يُحكم سواهما في قليل أو كثير، فعَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ: (وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا) [رواه مسلم] وروى أبوبكر ابن أبي عاصم بسنده عن أم الحصين قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أُمر عليكم عبد حبشي مجدع، فاسمعوا وأطيعوا إذا قرأ بكم كتاب الله) [1]

فشرط الطاعة وحرمة الخروج هو أن يقودنا بكتاب الله، أما إن قادنا بدساتير وضعية وقوانين أرضية فلا سمع له ولا كرامة ولو كان من أعز بطون بني هاشم, فـ (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) [رواه مسلم] وقد قيل:

(1) قال أ. د باسم بن فيصل الجوابرة: وفي سنن الترمذي والمسند والمعجم الكبير: (ما أقام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت