فهذه الأقوال التي رد عليها أئمة الدعوة مما لا يخالفه أحد في بطلانها، فليس ثمة حاجة في إيرادها والمناقشة فيها، وهو في المقابل يتجاهل أقوالهم وحجتهم ولا يذكرها في محل النزاع ويبقي حديثه في العموم والإطلاق مع أن الحكم على الأعيان موضع تفصيل وتحقيق!
ومن المسائل والقواعد التي تجاهلها في هذا الموضع: مسألة أن الحكم على المعين من المسلمين بالكفر مهما كان نوعه يخضع لتحقق الشروط وانتفاء الموانع، فلا يصح أن يقال ابتداء في هذه المسألة أن فاعل الشرك من الأعيان مشرك دون تفصيل مثل الكافر الأصلي، بحجة قيام وصف الشرك فيه لغة وحالا لأن المعتبر هنا هو قيام الوصف الشرعي والذي اتفق الأئمة من العلماء والقضاة، والموضع موضع قضاء، أنه لا يقوم مع وجود المانع، وإلا صح أن يطلق على المجنون والمكره على الشرك والمخطئ بسبق اللسان أنه مشرك لقيام وصف الشرك به لغة، وإن جاز إطلاق الوصف على وجه العموم، وهذه المسألة من أشد ما تلبس عليهم حتى جعلوها محكّا يمتحنون به الناس!
فإن كان الواقع في الشرك ممن ثبت له عقد الإسلام لا يثبت عليه الوصف الشرعي إلا بانتفاء الموانع فكيف بمن لا يكفره لمظنة وجود المانع في حقه، فهذا أولى بالنظر في موانع الحكم عليه، خاصة إذا كان من أهل العلم الداعين للتوحيد والمجانبين للشرك وأهله على وجه العموم والتفصيل إنما أخرج من هذا نظريا أو عند الحكم بعض من يرى وجود مانع معتبر في حقه، وكيف بتكفير من جاء بعده كما هو الحال هنا؟! وهي كما ترون درجات متفاوتة يسحب عليها الشيخ الحازمي حكما واحدا!
ومما تجاهله أيضا اعتبار حال الرجل عند النظر في الحكم عليه إذا تلبس بالكفر المحتمل والفعل الذي يتطرق إليه التأويل كما وقع في حادثة حاطب رضي الله عنه، فلا يستقيم بحال أن نجعل العلوان وعطية الله وأبا قتادة الذي علّمهم دروس الإيمان، في نفس الميزان الذي نكيل به لداود بن جرجيس وأحمد بن زيني دحلان وفريد الباجي وغيرهم من المعادين لدعوة التوحيد، فهذا من الظلم والشطط الظاهرين. فكيف إذا لم يكن هناك ما يوجب الكفر أصلا!