المُخلف، فالحذر الحذر من سلوك هذه المسالك، فإن البدع تبدأ صغيرة ثم تكبر حتى تصير كالجبال.
واعلم أن هذه المسألة من المسائل الخلافية التي لا يجوز فيها التفسيق والتبديع بله التكفير إلا على مذهب بعض الغلاة من أهل الزمان ممن لا يرفعون رأسا لما يقرره أئمة العصر من أمثال العلوان والمقدسي وأبي قتادة وغيرهم، وهم إن كانوا لا يجرؤون على مخالفتهم في البداية حتى لا ينفض الناس من حولهم فإنهم سرعان ما يضطرون إلى تخطئتهم وتدفعهم المناظرات والمعارك الوهمية التي يخوضونها إلى تبديعهم وإسقاطهم ونسبتهم إلى الإرجاء كما عاينّا من بعضهم، بل قد ذهب بعضهم إلى تكفيرهم وتكفير من لم يكفرهم تبعا لقواعد التسلسل الباطل التي أحدثوها.
وحسبك أن تنظر إلى حسن تقديم الشيخ أبي محمد المقدسي لكتاب"جؤنة المطيبين"للشيخ أبي قتادة مع ما فيه من مخالفة صريحة لمذهبه في عدم العذر بالجهل في مسائل العبادة لتدرك طريقة أهل العلم في التعامل مع المخالف في هذه المسألة وتقارن بموقف بعض الأغرار ممن لم تنبت لحيته بعد أو لم يمض على التزامه إلا الأشهر المعدودات!
واعلم أن هذه المسألة من مسائل تحقيق المناط، أي تحقق وجود سبب الكفر في الأعيان. وتكفير المعين قد يختلف شخصان في تقديره - إذا صحت القواعد - دون أن ينكر أحدهما على الآخر، كما اختلف السلف في كفر الحجاج دون أن يشنع بعضهم على بعض فكيف بمن كفر من يخالفه على مثل هذا!
واعلم أن أكثر الخلاف في هذه المسألة خلاف نظري لا يترتب عليه ولاء ولا براء أو تكفير أعيان يتعلق التوحيد بتكفيرهم كما يظن البعض، لأن الحديث كله يدور حول أقوام لم تبلغهم الدعوة ليسوا بين أظهرنا، ولو فرضنا أننا وقفنا على قوم من أمثالهم فإنه يجوز لمن أدركهم أن يكفرهم إذا أصروا على الشرك الذي هم فيه، فإن رجعوا فالمسألة لا تتعدى بعد ذلك الخلاف حول حكمهم قبل توبتهم.
واعلم أن القائلين بالعذر بالجهل في الشرك الأكبر في زماننا وقبله من جلة أهل العلم، كالشيخ العلوان والشيخ أبي قتادة وشيخنا عبد الحكيم