في حد ذاتها، فكيف يؤخذ برأيه في حكّام الجزائر؟ ثم متى كان حكم التكفير مقصورا على عالم أو اثنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهل لو سب مسلما ديننا أو سجد لبوذا في الصين نتوقف في تكفيره في انتظار فتوى من هؤلاء المشايخ؟
ومما يدل على خفاء هذه الأمور على ربيع المدخلي وغيره؛ فإن الشروط التي وضعها لتكفير هذه الطائفة الحاكمة واقعة ثابتة منذ زمن بعيد.
فمن المبادئ التي قام عليها هذا الحزب الحاكم ما نصه: (إنها - الثورة الجزائرية - سير إلى الأمام بالاتجاه التاريخي للإنسانية، وليست عودة إلى الإقطاع، في النهاية هي صراع من أجل ميلاد حكومة ديمقراطية واشتراكية وليست لتوقيع صيغة ملكية أو حكم رجعي مبني على الحق الإلهي المقدس) ! [1] .
فهل ينكر المدخلي أن هؤلاء الحكام قد جاءوا بالكفر البواح الذي يشترطه الجهمية؟ ثم ماذا لو أعلمناه أنهم يحرصون كل الحرص على قيام المحافل والمهرجانات القبورية الشركية وإعادة بناء القباب والقبور التي يسويها أهل التوحيد، هل يتوقف في تكفيرهم؟ فإن قال بكفرهم فقد أبطل كل ما بناه على حكمه السابق وظهر ظلمه وتجنيه على عباد الله الموحدين وقوله على الله وعلى العباد بغير علم، وإن قال غير ذلك فهو الضلال المبين!
أما الحديث عن ثمرة الجهاد في الجزائر والفائدة التي لحقت المسلمين منه، فهذا ابتداء لا تتعلق به الأحكام الشرعية، فالنتائج بيد الله سبحانه وما على العباد إلا الاجتهاد في اتخاذ الأسباب وتنفيذ الأوامر، ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد، لكنه أدّى ما افترض الله عليه وأبرأ ذمته. وكون السائل والمجيب لا يريان ثمرة من الجهاد في الجزائر فهذا من جهلهما وقصر نظرهما، فحسبك من ثمرات الحركات الجهادية أنها تحد من ضغط الطواغيت وتعطل مسيرة إفسادهم للبلاد والعباد {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله} وبلدنا المنكوب تونس خير مثال على هذا، فغياب سنة التدافع فيه وتخلف أهل الحق عن دفع الباطل جعله يستحكم، وصار الطواغيت فيه يمنعون من الصلاة والحجاب دون خجل أو وجل، فهل يجرأ حكام الجزائر حتى على التفكير في مثل هذا؟ وهل يشترط في تكفير حكام تونس وهذا حالهم تفضيلهم لأحكامهم على حكم الشريعة، وهل يتوقف في تكفيرهم لأننا لم نسمع من الشيخ الألباني أو غيره تكفيرهم؟
(1) مبادئ جبهة التحرير الوطني الجزائرية، مؤتمر الصومام 20/ 08/1956.